الرقم نيوز- محرر الشؤون السياحية – لم تعد الزيارة الملكية إلى الصين مجرد محطة في مسار العلاقات السياسية والاقتصادية بين الأردن والصين بل حملت معها فرصة حقيقية لفتح آفاق جديدة أمام القطاع السياحي الأردني ولا سيما في التعامل مع السوق الصينية التي تعد واحدة من أكبر الأسواق السياحية في العالم.
وخلال زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في آب 2026، برز قطاع السياحة كأحد المجالات التي حظيت باهتمام واضح، إذ بحث جلالته في شنغهاي فرص تعزيز التعاون السياحي والثقافي مع مجموعة Trip.com، إحدى أبرز شركات خدمات السفر في الصين والعالم.
وتركزت المباحثات على زيادة أعداد الزوار الصينيين إلى الأردن وتطوير أساليب التسويق الذكي للوجهات السياحية، إلى جانب تعزيز الربط الجوي بين البلدين، وهي ملفات تمثل ركائز أساسية لأي استراتيجية تستهدف السوق الصينية.
الصين.. سوق سياحي واعد للأردن يمتلك الأردن مقومات سياحية استثنائية يمكن أن تجعله وجهة مفضلة للسائح الصيني، بدءاً من البتراء ووادي رم والبحر الميت وصولاً إلى جرش والعقبة والعاصمة عمّان، فضلاً عن السياحة الدينية والعلاجية والثقافية والطبيعية.
وتكتسب السوق الصينية أهمية خاصة بالنظر إلى حجمها الكبير وتنامي حركة السفر الخارجي لدى الصينيين. وتشير بيانات نقلتها مصادر أردنية إلى أن عدد الزوار الصينيين إلى المملكة ارتفع خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 بنسبة 15.9% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ليصل إلى نحو 11,931 زائراً.
ورغم أن هذه الأرقام لا تزال دون مستوى الطموح، فإنها تكشف عن وجود طلب قابل للنمو، خصوصاً إذا تزامن الترويج السياحي مع تسهيل الوصول إلى الأردن وزيادة الرحلات الجوية المباشرة.
وهنا تكمن أهمية الانتقال من مجرد الترويج للوجهة الأردنية إلى بناء استراتيجية سياحية متكاملة تستهدف المسافر الصيني بصورة مباشرة ومدروسة.
من الزيارة إلى استراتيجية سياحية متكاملة الأهم من الزيارة الملكية هو تحويل نتائجها ومخرجاتها إلى برنامج عمل طويل الأمد. فالترويج للأردن في الصين لا ينبغي أن يقتصر على الحملات التقليدية بل يمكن الاستفادة بصورة أكبر من المنصات الرقمية وشركات السفر الصينية الكبرى للوصول مباشرة إلى المسافر الصيني والتعريف بالمنتج السياحي الأردني.
كما أن تطوير برامج سياحية مصممة خصيصاً للسائح الصيني يمكن أن يشكل خطوة مهمة بحيث تجمع الرحلة الواحدة بين البتراء ووادي رم والبحر الميت وجرش والعقبة بما يشجع على إطالة مدة إقامة السائح وزيادة إنفاقه داخل المملكة.
وفي هذا السياق طرح ممثلو القطاع السياحي الأردني بالفعل فكرة إعداد حزم سياحية متخصصة تستهدف السوق الصينية وهي خطوة يمكن البناء عليها لتقديم منتجات أكثر ملاءمة لتفضيلات الزائر الصيني واحتياجاته.
الربط الجوي مفتاح النمو من أبرز الملفات التي تحتاج إلى متابعة بعد الزيارة الملكية موضوع الربط الجوي المباشر بين الأردن والصين فسهولة الوصول تمثل عاملاً أساسياً في قرار السائح ولا يمكن تحقيق قفزة كبيرة في أعداد الزوار من السوق الصينية من دون توفير خيارات سفر أكثر سهولة وانتظاماً.
وقد أُثير موضوع تعزيز خطوط الطيران بين البلدين خلال اللقاءات السياحية في شنغهاي، كما أعلن السفير الصيني في الأردن لاحقاً أن البلدين اتفقا على العمل باتجاه إنشاء رحلات مباشرة بين الأردن والصين.
ويشكل تحقيق هذا الهدف عاملاً حاسماً في تحويل الاهتمام بالسوق الصينية إلى أعداد فعلية من الزوار خصوصاً أن طول المسافة وتعدد محطات السفر يمكن أن يشكلا عائقاً أمام قرار السائح باختيار الأردن وجهةً لرحلته.
فرصة لتعزيز السياحة الثقافية ولا تقتصر الفرصة على زيادة أعداد السياح بل تمتد إلى بناء جسور ثقافية بين الشعبين فالأردن يستطيع تقديم تجربة سياحية متكاملة تقوم على التاريخ والحضارة والطبيعة والتراث وهي عناصر يمكن توظيفها بصورة أكثر فاعلية عند مخاطبة السائح الصيني.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير المحتوى السياحي باللغة الصينية سواء عبر المواقع والمنصات الرقمية أو المواد التعريفية والأدلة السياحية، إلى جانب تدريب وتأهيل أدلاء سياحيين يتحدثون اللغة الصينية وقادرين على التعامل مع الزوار وفهم احتياجاتهم وتقديم تجربة سياحية أكثر احترافية.
وهذه الخطوة بدأت تجد طريقها إلى الواقع، مع توجه قطاع الإرشاد السياحي في الأردن إلى تطوير برامج تدريبية للمرشدين الناطقين باللغة الصينية، بما يرفع جودة تجربة الزائر ويعزز قدرة القطاع السياحي الأردني على التعامل مع متطلبات السوق الصينية المطلوب الآن.. استثمار الزخم الملكي
الزيارة الملكية إلى الصين أعطت السياحة الأردنية دفعة مهمة لكن نجاحها الحقيقي سيقاس بما سيحدث بعدها. فالفرصة متاحة أمام وزارة السياحة والقطاع الخاص وشركات الطيران والفنادق والمكاتب السياحية للعمل ضمن استراتيجية واحدة تستهدف السوق الصينية بصورة مباشرة.
ويتطلب ذلك الاستثمار في تدريب وتأهيل الأدلاء السياحيين باللغة الصينية، وتطوير المنتجات السياحية وتعزيز التسويق الرقمي وتوفير محتوى سياحي ملائم، إلى جانب العمل على تسهيل إجراءات السفر وتحسين الربط الجوي.
كما أن نجاح هذه الاستراتيجية لن يعتمد على جهة واحدة، بل يحتاج إلى شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص بحيث تتحول السوق الصينية من مجرد فرصة محتملة إلى سوق سياحية مستدامة للأردن.
وقد أكدت الزيارة أن السياحة ليست قطاعاً منفصلاً عن العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بل يمكن أن تكون جسراً لتعزيز التواصل بين الشعوب وخلق فرص استثمار وتشغيل جديدة، ودعم المجتمعات المحلية.
إن تحويل الأردن إلى وجهة سياحية أكثر حضوراً لدى السائح الصيني يتطلب الاستمرار في التسويق وتطوير المنتجات السياحية، وتسهيل إجراءات السفر وتحسين الربط الجوي والاستفادة من المنصات الرقمية الصينية.
وإذا جرى البناء على الزخم الذي أحدثته الزيارة الملكية، فإن السوق الصينية يمكن أن تتحول خلال السنوات المقبلة إلى واحدة من الأسواق المهمة لنمو السياحة الأردنية.
فالرسالة التي حملتها الزيارة واضحة الأردن لا يبحث فقط عن زيادة أعداد السياح بل عن أسواق جديدة وإقامات أطول وتجارب سياحية ذات قيمة وشراكات مستدامة تعود بالنفع على الاقتصاد والمجتمعات المحلية.