الاقتصاد الاردنيالرئيسية

ماذا يحدث في ميناء العقبة؟

بقلم سلامة الدرعاوي : أزمة ميناء العقبة حقيقية، لكنها لا تعكس ضعفاً في استقبال السفن أو مناولة الحاويات، وإنما تكشف فجوة بين نجاح التشغيل داخل الميناء وقدرة المنظومة اللوجستية على إخراج البضائع بالسرعة نفسها، فالحاوية التي تفرغها الرافعات بكفاءة، ثم تبقى في الساحات، تتحول سريعاً من إنجاز تشغيلي إلى اختناق اقتصادي.

هذه الأزمة ناتجة عن تزامن عوامل استثنائية، شملت اضطراب خطوط الملاحة بسبب الأوضاع الجيوسياسية، وتغير مواعيد وصول السفن وإلغاء بعض الرحلات، وارتفاع حركة الترانزيت وتراكم الحاويات، من دون ارتفاع مماثل في سرعة إخراجها من المنظومة.
ولا تنفي مؤشرات التشغيل وجود الأزمة، وإنما تحدد طبيعتها على نحو أدق، فقد تعامل ميناء حاويات العقبة خلال النصف الأول من عام 2026 مع 472.680 حاوية، مقابل 468.062 حاوية خلال الفترة نفسها من العام الماضي، فيما سجلت الموانئ الأردنية خلال الأشهر الخمسة الأولى ارتفاعاً في إجمالي المناولة بنسبة 35 % إلى نحو 4.85 مليون طن.
لكن الرقم الأكثر دلالة يظهر في طبيعة الحركة، إذ ارتفعت حاويات الترانزيت خلال الأشهر السبعة الأولى من 30.763 إلى 80.235 حاوية، بنمو بلغ 160.8 %، وقفزت الحاويات المتجهة إلى العراق من 3.599 إلى 37.182 حاوية، بزيادة قدرها 933.1 %.
هذه الأرقام تضع الأزمة في مكانها الصحيح، فإجمالي حركة الحاويات خلال النصف الأول سجل نمواً محدوداً، بينما حدث تحول حاد في مسارات البضائع ووجهاتها، ما نقل الضغط من الرصيف إلى الساحات والبوابات والتخليص والشاحنات، ووضع المنظومة أمام تدفقات لم تكن جميع حلقاتها مهيأة لها بالكفاءة نفسها، ولذلك نحن أمام أزمة لوجستية متكاملة، لا مشكلة تشغيلية محصورة داخل الميناء.
وفي ظل ذلك، تبلغ الطاقة الاستيعابية المعلنة لميناء الحاويات 1.3 مليون حاوية نمطية، مع إمكانية رفعها إلى مليوني حاوية من خلال زيادة العمالة وساعات التشغيل، كما تتوفر في العقبة ساحات لوجستية بمساحات تخزينية تصل إلى مليوني متر مربع، لكن الطاقة النظرية تفقد قيمتها عندما يطول زمن مكوث الحاوية وتتراجع سرعة دورانها.
فالاختناق الحقيقي، وجوهر الأزمة، لا يقاسان بقدرة الرصيف على تفريغ السفينة فقط، وإنما بالمدة التي تحتاجها الحاوية لمغادرة المنظومة، وكل يوم إضافي يرفع كلف الأرضيات والتخزين والاحتجاز والنقل، ويجمد أموال المستوردين ويؤخر أعمال المصدرين، ثم تنتقل هذه الكلف إلى الأسواق والمستهلكين.
وفي السياق ذاته، فإن تأخر الشاحنات أياماً على بعض المعابر يخرجها من دورة النقل ويمنع عودتها إلى العقبة لسحب حمولات جديدة، لذلك قد تبدأ الأزمة خارج الميناء ثم ترتد إليه، وهذه هي النقطة التي تجعل إدارة سلسلة التوريد أهم من إدارة الساحات وحدها.
وقد بدأت العقبة اتخاذ إجراءات مهمة، منها فتح ساحة لحاويات المكوث الطويل، وتخصيص ساحة للحاويات الفارغة، وتسهيل حركة الحاويات المبردة، ورفع مدة الإعفاء من أرضيات الحاويات الصادرة من 7 إلى 14 يوماً، وهي إجراءات تمتص الضغط وتحد من آثار الأزمة، لكنها تعالج التكدس بعد وقوعه ولا تمنع أسبابه.
المطلوب غرفة عمليات لوجستية تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع (24/7)، وتضم سلطة العقبة وإدارة الموانئ وميناء الحاويات والجمارك والجهات الرقابية والوكلاء الملاحيين والمخلصين، وتملك صلاحية القرار، إلى جانب تسريع التخليص وتفعيل إدارة المخاطر وزيادة ساعات العمل وربط الجهات إلكترونياً ضمن منصة واحدة.
وتمتلك المدينة أربع ساحات رئيسية لانتظار الشاحنات، ومركزاً جمركياً للمعاينة والتخزين، كما أنشئت ساحة جديدة بطاقة 600 حاوية مكافئة، إلا أن إدارة الأزمة في المرحلة المقبلة تتطلب نظام إنذار مبكر يتنبأ بالتكدس قبل وقوعه، ويوزع الحاويات والسفن والشاحنات وفق الطاقة المتاحة.
أزمة ميناء العقبة تضع الأردن أمام فرصة لإعادة تصميم نموذجه اللوجستي، فالميناء الناجح لا يقاس بعدد الحاويات التي تفرغها الرافعات، وإنما بالزمن والكلفة اللذين تحتاجهما البضاعة للوصول إلى وجهتها، ومن دون إدارة متكاملة لهذه الرحلة ستبقى كل قفزة في التجارة مرشحة للتحول إلى أزمة تكدس جديدة يدفع الاقتصاد الوطني كلفتها.

الغد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى