المشايخ يكتب : دقيقة و٤٧ ثانية تكفي لتعرية الاحتلال.. عندما يتحدث الملك
بقلم: عطا المشايخ
أنا أستوعب السياسة بطريقتي الخاصة وبنهجي المنفرد، النهج الذي يمنعني تماماً من مدح الرجال تملقاً أو تسلقاً على جدران النفاق السياسي. السياسة بالنسبة لي ليست صياغة للمفردات المنمقة ولا تصفيقاً مجانياً، بل هي موقف وشرف وكلمة تُقال في وقتها المناسب وبالجرأة المطلوبة.
لكن، عندما يخرج رجلٌ بكامل هيبته، وبكل عبقرية الاختصار المفيد، ليقف على أهم وأكبر المحافل الدولية؛ ليُعرّي الاحتلال الإسرائيلي تماماً، ويفضح إجرامه الوحشي الممنهج ضد الشعب الفلسطيني وضد الحق التاريخي للقضية الفلسطينية وكل هذا في دقيقة و٤٧ ثانية فقط ،هنا توقف أصحاب التحيز الأعمى للاحتلال وصمتت حساباتهم الضيقة، أما أنا فلا أملك إلا أن أرفع يدي لتأدية التحية العسكرية لهذا الرجل الملك.
قوة الكلمة وعظمة الإيجاز
في عالم السياسة المعاصر، تُهدر ساعات طويلة في خطابات رنانة ومؤتمرات صحفية مفرغة من أفعالها، لا تتعدى كونها حبراً على ورق أو صدى في أروقة مغلقة. لكن أن تملك القدرة على اختزال عقود من القهر، والانتهاكات، وتزييف الحقائق، وتصدم الضمير العالمي الحاضر تحت قبة الأمم المتحدة بكلمات دقيقة كالرصاص.. فهذا ليس مجرد خطاب، بل هو اختراق استراتيجي للوعي الدولي وتعرية صريحة لاحتلال مدمنٍ على الإجرام.
دقيقة و٤٧ ثانية كانت كافية لتهدم رواية منمقة ظل الاحتلال يبنيها لعقود عبر أدوات إعلامية وسياسية ضخمة. دقيقة و٤٧ ثانية وضع فيها جلالة الملك المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، بلا مواربة ولا دبلوماسية خجولة.
عجز القرارات الدولية: حبر على ورق
بكل جدارة، لقد وضع الملك يده على الخلل الحقيقي الذي يعانيه النظام العالمي اليوم، عندما أظهر صراحة أن جميع القرارات والأعراف الدولية التي تدين الهمجية والإجرام تظل مجرد حبر على ورق محبوس بين أروقة المحافل الدولية؛ فطالما أنها تدين الاحتلال، تغيب الإرادة الحقيقية للتنفيذ ويستمر الكيل بمكيالين لتبقى تلك القرارات بلا أثر. إن هذا التشخيص الملكي الجريء يعكس حقيقة الواقع؛ فالبيانات الصادرة والقرارات المكدسة لم تحمِ مظلوماً ولم تمنع عدواناً، بل أصبحت مظلة يستغلها الاحتلال للإمعان في بطشه، مما يجعل الكلمة الصادقة المباشرة سلاحاً كاشفاً يضع القوى العالمية أمام عورتها الأخلاقية.
تعرية الاحتلال أمام الضمير العالمي
إن تعرية الاحتلال لا تحتاج إلى خطب مطولة بقدر ما تحتاج إلى “وضوح أخلاقي” وشجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها. عندما يتحدث الملك عن مظلومية الشعب الفلسطيني وعن جرائم الاحتلال الوحشية من على منصة الأمم المتحدة، فهو لا يقدم موقفاً أردنياً ثابتاً فحسب، بل يمارس دور البوصلة الحقيقية لأمة كاملة.
لقد أثبتت هذه الثواني المعدودة أن الموقف الصلب لا يقاس بالوقت، بل بقوة الحق المستند إليه، وأن اختصار القضايا الكبرى في دقائق أو ثوانٍ معدودة يتطلب عبقرية سياسية قادرة على وضع الأصبع على الجرح مباشرة أمام صُنّاع القرار في العالم.
تحية لموقف لا يُنسى
إن احترامي لهذا الموقف لا ينبع من مجاملة، بل من إدراك عميق للفرق بين السياسة كحرفة، والسياسة كـموقف أخلاقي. لقد رسم الملك في تلك الدقيقة و٤٧ ثانية معالم الدرس السياسي الأبرز: أن الحق الفلسطيني لا يموت، وأن وصمة العار التي يحملها الاحتلال ستبقى تلاحقه في كل محفل دولي، طالما هناك من يملك الشجاعة لقول الحقيقة دون خوف أو تردد.
سلامٌ على من يتكلم فيصيب، وسلامٌ على موقفٍ اختصر أمة، وتأدية التحية العسكرية هنا ليست إلا اعترافاً بحقيقة لا يمكن إنكارها: لقد قال الملك ما عجز عنه الآخرون في عقود.. خلال دقيقة و٤٧ ثانية.




