مقالات اقتصادية

عطا المشايخ يكتب : رعاية اليتيم بين الدعم المادي وبناء الإنسان “جمعية سواعد اليتيم” نموذجًا

الرقم نيوز – تفيد الدراسات أن رعاية اليتيم لم تعد تُختزل في توفير الاحتياجات المعيشية الأساسية فقط، بل باتت مفهومًا أوسع يشمل البناء النفسي والتربوي، وإعادة تشكيل شعور الأمان لدى الطفل الذي فقد أحد أهم ركائز حياته.
فحين يفقد الطفل والده وينكسر عالمه الصغير، لا يغيب المعيل فحسب، بل يتصدع الإحساس بالاستقرار، وتضعف المرجعية التي كان يعتمد عليها في فهم العالم من حوله. وهنا تظهر الحاجة إلى رعاية تتجاوز حدود المساعدة المادية، لتصل إلى احتواء الأثر النفسي لفقدان الأب السند، وتقديم بيئة بديلة أكثر استقرارًا وطمأنينة من بيئة يسودها البؤس الرمادي.
يؤكد تربويون أن الطفل اليتيم يحتاج، إلى جانب الدعم المادي، إلى حضن اجتماعي آمن، وصوت مطمئن، وإنصات حقيقي لمشاعره، مع السماح له بالتعبير عن حزنه بطرق طبيعية، سواء عبر اللعب أو الرسم أو غيرها من الوسائل التي تساعده على تفريغ مشاعره بشكل صحي. ويشددون على أن تجاهل الحزن أو محاولة إنكاره قد يترك آثارًا نفسية أعمق على المدى البعيد.
كما يشير مختصون في التربية إلى أهمية وجود مرجعية واضحة في حياة الطفل اليتيم، تقوم على التوجيه الهادئ والضبط التربوي القائم على الرحمة، بما يحقق التوازن بين الاحتواء والانضباط، ويسهم في بناء شخصية مستقرة وقادرة على التكيف مع تحديات الحياة.
وفي هذا السياق، نستحضر قصة موسى عليه السلام مع الخضر، حين رافقه في رحلة علمية مليئة بالدروس والعبر، وشهد فيها بناء الخضر لجدار في القرية، حفاظًا على كنزٍ كان تحت الجدار ليتيمين صغيرين كان أبوهما رجلًا صالحًا. وتُقدَّم هذه القصة بوصفها نموذجًا رمزيًا لمعنى الرعاية الممتدة عبر الزمن، التي تحمي حقوق الضعفاء حتى يبلغوا مرحلة القدرة والاستقلال وحسن التصرف والحكم على الأمور.
كما تحضر في الذاكرة صور إنسانية مؤثرة تعبّر عن عمق الحاجة العاطفية لدى الطفل، مثل تلك الأم التي فقدت زوجها فكانت توهم أبناءها بأن مصروفهم يأتي من “جيب والدهم”، لتبقي في قلوبهم شعورًا رمزيًا بالاستمرارية والدفء، وكأن الغياب لم يكتمل بعد. لم تكن تلك الأم تطعم أبناءها فقط، بل كانت تعالج فراغهم النفسي بذكاء عاطفي رفيع.
كما لا يمكن إغفال الدور المحوري للأم في تربية الطفل اليتيم، فهي الحاضنة الأولى لعاطفته وملاذه النفسي الأهم بعد فقدان الأب، إذ تسهم بعاطفتها وحنانها في التخفيف من وطأة الفقد وإعادة شيء من الدفء والاستقرار إلى حياته. غير أن هذا الدور، على أهميته، قد لا يكون كافيًا وحده لسد جميع الفراغات التي يتركها غياب الأب، خاصة فيما يتعلق بالجوانب التربوية المرتبطة ببناء شخصية الطفل الذكر، مثل غرس مفاهيم المسؤولية والانضباط والتوجيه السلوكي في بعض المراحل العمرية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى وجود دعم اجتماعي وتربوي مساعد يساند الأم، ويعوض غياب النموذج الأبوي، بما يحقق توازنًا صحيًا في تنشئة الطفل ويعزز قدرته على النمو السليم.

وبينما تتعدد أشكال المبادرات الاجتماعية في رعاية الأيتام، تبرز “جمعية سواعد اليتيم الخيرية” كمثال على المؤسسات التي تتبنى مفهوم الرعاية الشاملة، الذي لا يقتصر على الدعم المادي، بل يمتد إلى برامج تهدف إلى تنمية القدرات التعليمية والإبداعية وبناء الشخصية، وتمكين اليتيم ليكون فردًا فاعلًا في مجتمعه.
وتشير الجمعية إلى أن أحد أبرز أهدافها يتمثل في سد جزء من الفراغ التربوي الذي يتركه غياب الأب، عبر تقديم برامج توجيهية وتربوية تساعد في إعداد الفتى اليتيم ليكون قادرًا على تحمل المسؤولية ومواجهة الحياة بثبات واتزان.
غير أن التحديات التي تواجه هذا النوع من المبادرات تبقى كبيرة، في ظل محدودية الموارد وتفاوت حجم الدعم المجتمعي، الأمر الذي يجعل استمرار هذه الجهود وتوسيع أثرها مرهونًا بمشاركة فاعلة من الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
ويؤكد مهتمون بالشأن الإنساني أن كفالة اليتيم لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها التزامًا ماليًا فقط، بل مسؤولية أخلاقية واجتماعية تشمل الرعاية النفسية والتربوية، والمساهمة في صناعة إنسان قادر على النهوض بنفسه ومجتمعه.
وفي النهاية، يظل الطفل اليتيم بحاجة إلى ما هو أبعد من المساعدة المادية؛ فهو بحاجة إلى بيئة تحتضن ضعفه، وتعيد بناء ثقته، وتمنحه شعورًا ثابتًا بالأمان. ومع تكامل الجهود بين المؤسسات والمجتمع، يمكن تحويل تجربة الفقد إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا واتزانًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى