مقالات اقتصادية

عطا المشايخ يكتب: ضرورة الأمن السيبراني في حماية الأمن السياسي والأمن المجتمعي

نسخة لمن يعنيهم الامر …..

لم تعد الحروب المعاصرة تُدار بالضرورة في ميادين القتال التقليدية ومن داخل عربات القيادة المصفحة، ولم يعد الميدان المادي هو الساحة الوحيدة لممارسة النفوذ والقوة، كما أن صواريخ الطائرات أصبحت ثانوية في استهداف الأمن المجتمعي الذي يغلفه الأمن السياسي؛ فقد أفرز التطور الرقمي المتسارع أسلحة جديدة توازي آلات الدمار الشامل بل أكثر فتكاً بالمجتمعات. وفي هذا الفضاء الرقمي المفتوح، أصبحت الحرب أكثر بشاعة، وهنا يتحول “الأمن السيبراني” من مجرد إجراءات تقنية لحماية البيانات إلى جدار وعي وحماية حاسمة لا يتحقق بدونه الأمن السياسي للدول ولا الأمن المجتمعي للشعوب.

الوحدة 8200 والحرب الرقمية: استهداف النسيج الداخلي

نحن نعيش منذ سنوات في قلب حرب إلكترونية حقيقية وشاملة يخوضها الاحتلال الإسرائيلي عبر ذراعه التكنولوجية والاستخباراتية الأكثر خطورة وهي “وحدة الحرب الالكترونية 8200”. هذه الوحدة لم تعد تكتفي بالتدخل التقني التقليدي أو التجسس والتنصت، بل تحولت إلى محرك أساسي لحروب رقمية جديدة تستهدف استقرار المجتمعات من الداخل وتفتك بالأمن السياسي.

ولك أن تتخيل أن الأمن السياسي هو الغلاف القوي الذي يحيط بكل عناصر الأمن المجتمعي ضمن علاقات تكاملية؛ بحيث يوفر الأمن السياسي الأمن المجتمعي، والأمن المجتمعي يدعم الأمن السياسي، ولا يمكن لأحدهما أن ينهار ويبقى الآخر صامداً.

وفي هذا السياق، تعتمد الوحدة 8200 على توظيف الذباب الإلكتروني والحسابات الوهمية وبعض الحسابات العميلة لخلق وتغذية النعرات الطائفية والإقليمية، وتغذية الخلافات الداخلية لضرب الأمن المجتمعي. كما تضخ الأسلحة الرقمية للعدو أخباراً مضللة ومعلومات مقتطعة في أوقات الأزمات، بهدف إرباك الشارع العربي وإضعاف عناصر الأمن السياسي على حد سواء، وخلق حالة من التشكيك الدائم في المؤسسات الوطنية ورموزها. إضافة إلى ذلك، تُستغل بياناتنا الضخمة من قبل وحدة الحرب الإلكترونية من أجل تحليل سلوكيات الأفراد وتوجيه محتوى مخصص يزرع الإحباط واليأس، ويشوه الحقائق التاريخية والسياسية وإعادة إحياء خلافات تم تخطيها بقرارات سيادية وتأييد مجتمعي.

الأمن السيبراني كدرع للأمن السياسي والسيادة

على صاحب القرار السياسي أن يعي أن توظيف كافة عناصر الأمن السيبراني أصبح ضرورة ملحة من أجل تمتين خطوط الدفاع الرقمية، وأن الوعي الرقمي لم يعد خياراً ثانوياً، بل هو جوهر الحفاظ على السيادة الوطنية وصنع القرار المستقل الذي يعزز بدوره الأمن المجتمعي.
إن حماية البنى التحتية الحيوية والسجلات السيادية للبلاد يمنع أي ابتزاز أو اختراق خارجي يمكن أن يربك الإدارة السياسية. وهنا لا بد من إدراك أن جميع البيانات التي يتداولها المجتمع داخل الفضاء الرقمي هي بيانات مستهدفة وصيد ثمين للوحدة 8200.

صون الأمن المجتمعي: من حماية الشبكات إلى تحصين العقول

إذا كان سلاح الأمن السيبراني التقني يُواجه بالبرمجيات والخوارزميات الخاصة بانتهاك خصوصية وسرية البيانات، فإن سلاح الوعي السيبراني في التصدي لحرب الشائعات والفتن يتطلب استراتيجية مزدوجة تجمع بين الردع التقني وبناء الوعي الجمعي.
إن فهم المواطن لطبيعة الأساليب التي تستخدمها وحدة الحرب الإلكترونية التابعة للعدو وقدرتها على صناعة “المعارك الوهمية” يجرّد كافة ذخائر العدو الرقمية من تأثيرها ومنذ لحظة إطلاقها كخط دفاع أول. كما أن تفعيل منصات الرصد المبكر والشفافية الإعلامية يقطع الطريق على الحسابات المشبوهة التي تسعى لملء الفراغ بالمعلومات المغلوطة أو المعلومات المسمومة.

الوعي الوطني الشامل: الرهان والحسم

إن الحل القوي والحاسم للتصدي لهذه الحرب الإلكترونية الشرسة وتحقيق الأمن المجتمعي يكمن في بناء وعي كامل يرتكز على إطار وطني شامل؛ إطار تسهم فيه مؤسسات الدولة كافة باعتبارها الجبهة المعنية بالدرجة الأولى بتحقيق الأمن السياسي وصون السيادة، ويتبناه المجتمع كخيار واعٍ وحساس لحماية أمنه المجتمعي من أسلحة العدو الرقمية.

إن مواجهة الحرب الإلكترونية التي تديرها أجهزة الاحتلال ليست مجرد مسؤولية لفئة المبرمجين والتقنيين، بل هي معركة وعي مجتمعي وسياسي شاملة. فمن يملك الوعي بقواعد هذه اللعبة بجدارة يدرك أن الحفاظ على الأمن المجتمعي والسيادة الوطنية يبدأ من تحصين الشاشة والعقل معاً ضد أدوات الفتنة والاستنزاف والسموم التي تبثها علينا منصات الوحدة 8200.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى