التحديث الاقتصادي في صدارة الاهتمام الملكي… من الرؤية إلى الإنجاز
السفير جمعة العبادي
تأتي متابعة جلالة الملك عبدالله الثاني لسير عمل الحكومة ضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي، لتؤكد مجدداً أن التحديث الاقتصادي يشكل أولوية وطنية راسخة، وأن نجاحه لا يقاس فقط بوضع الخطط والبرامج، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة تنعكس على حياة المواطن ومستقبل الوطن.
ولم تقتصر المتابعة الملكية على مراجعة ما تحقق داخلياً، بل رافقتها جهود دؤوبة واتصالات ولقاءات متواصلة لجلالة الملك مع قادة الدول والحكومات والمؤسسات الاقتصادية والاستثمارية وكبريات الشركات العالمية وقيادات القطاع الخاص، وضع خلالها جلالته الاقتصاد الأردني وفرص الاستثمار في المملكة في صدارة اهتماماته، انطلاقاً من إيمانه بأن جذب الاستثمارات وتعزيز الشراكات الاقتصادية يمثلان رافعة أساسية للنمو وخلق فرص العمل وبناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة.
لقد أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية جزءاً مهماً من التحرك الأردني الخارجي، وأداة فاعلة في سبيل تحقيق الأهداف المنشودة وتعزيز المصالح الوطنية، من خلال التعريف بالفرص الاستثمارية المتاحة في المملكة، واستقطاب الاستثمارات، وفتح الأسواق أمام المنتجات الأردنية، وبناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد.
ومن هنا تأتي الدعوة الملكية إلى استقطاب المزيد من الاستثمارات والمشاريع ذات الأولوية، وذات القيمة المضافة العاليه، خاصة الاستثمارات التصديرية ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لتؤكد أن الاستثمار الداخلي والخارجي يشكلان ركيزة أساسية لتحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
ويمتلك الأردن العديد من المقومات التي تؤهله لجذب الاستثمارات، في مقدمتها موقعه الجغرافي الاستراتيجي ، واستقراره السياسي والأمني، وطاقاته وكفاءاته البشرية، وانفتاحه على محيطه العربي والدولي. غير أن المحافظة على ثقة المستثمر واستقطاب المزيد من الاستثمارات تتطلب مواصلة تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتسريع إنجاز المشاريع، وتعزيز التنافسية والشفافية، وتوفير واستقرار البيئة التشريعية والتنظيمية والإدارية المحفزة للاستثمار.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ليس فقط باعتبارها وسيلة لتنفيذ المشاريع، وإنما باعتبارها نموذجاً لتكامل الأدوار والاستفادة من خبرات القطاع الخاص وكفاءته وقدرته على الابتكار والاستثمار، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز فرص النمو.
كما أن متابعة جلالة الملك لما تحقق في قطاعات الرعاية الصحية والنقل والخدمات اللوجستية والتعليم والصناعة ، تعكس شمولية رؤية التحديث الاقتصادي، باعتبار أن بناء اقتصاد قوي لا ينفصل عن تطوير الخدمات والبنية التحتية والتعليم والتدريب والقطاعات الإنتاجية.
وفي الوقت ذاته، فإن التوجيهات الملكية إلى استمرار التواصل مع المشاركين في ورش العمل ، التي تناولت مراجعة المرحلة الأولى من الرؤية، والتوصل إلى توصيات وأولويات للمرحلة الثانية، يؤكد أهمية المتابعة والمراجعة المستمرة والاستماع إلى أصحاب الخبرة والاختصاص والقطاع الخاص، وتقييم ما تحقق ومعالجة أوجه القصور وتحديد الأولويات بصورة أكثر دقة وواقعية.
ويبقى المواطن محور عملية التحديث وغايتها النهائية. ولذلك فإن توجيه جلالة الملك إلى إدامة التواصل الفاعل مع المواطنين بشأن خطط تنفيذ الرؤية وما تحقق من إنجازات وما تواجهه من تحديات، يحمل أهمية بالغة في تعزيز الثقة والشراكة الوطنية، وفي جعل المواطن شريكاً في عملية التحديث لا مجرد متلقٍ لمخرجاتها ونتائجها.
ومن الاهمية بمكان أن تتكامل الجهود الملكية مع أداء الحكومة ومؤسسات الدولة والسفارات والبعثات الدبلوماسية الأردنية في الخارج، بحيث تتحول شبكة العلاقات الدولية التي يتمتع بها الأردن إلى فرص اقتصادية واستثمارية حقيقية، من خلال الترويج للمملكة، والتعريف بفرصها، واستقطاب المستثمرين، ومتابعة إقامة المشاريع والشراكات التي تخدم الاقتصاد الوطني.
إن المرحلة الثانية من رؤية التحديث الاقتصادي تتطلب الانتقال بصورة أكثر سرعة ووضوحاً من الرؤية إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى النتائج، ومن النتائج إلى الأثر الملموس. وهذا يستدعي تحديد المسؤوليات، وقياس الأداء، وإزالة العقبات أمام المستثمرين، وتسريع المشاريع ذات الأولوية، وتعزيز التواصل مع القطاع الخاص والمواطنين.
لقد وضع جلالة الملك التحديث الاقتصادي في مقدمة اهتماماته الوطنية، وواصل جهوده واتصالاته العربية والدولية لفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد الأردني واستقطاب الاستثمارات والشراكات، إدراكاً من جلالته بأن الاقتصاد القوي والمنتج يشكل أحد أهم مقومات الأمن والاستقرار الوطني ومستقبل الأجيال.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص هو ترجمة هذا الاهتمام الملكي إلى مشاريع واستثمارات وفرص عمل وصادرات ونمو اقتصادي مستدام.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح رؤية التحديث الاقتصادي لا يقاس بعدد المشاريع التي أُعلنت، ولا بحجم الخطط التي وُضعت، وإنما بما يلمسه المواطن في حياته اليومية من تحسن في مستوى الخدمات، وتوفير فرص العمل، وزيادة الإنتاج، وتحسين القدرة الشرائية، ورفع مستوى المعيشة، وفتح آفاق أوسع أمام الشباب.
فالتحديث الاقتصادي ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لبناء اقتصاد أردني أكثر منعه وقوة وإنتاجية واستدامة، وتحقيق الهدف الأسمى الذي أكد عليه جلالة الملك: الارتقاء بجودة حياة المواطن بصورة ملموسة ومستدامة.




