نص أدبي بعنوان “ظِل مجهول”

إسراء النابلسي – تحت الشجرة المُعمّرة ، على الكرسي الأزرق الداكن في زاوية الباحة الفارغة .. أو العامرة بصوت الهواء المداعب لخُصل الأغصان الناعمة ترتب ضفائر المشاعر المحكيّة تحت ظلّها .
في تمام الساعة السادسة مساءً ، خفقان غريب وصوت الخطى محمّل بالأمل على غير العادة .
هذه المرّة زائران من قبيلة التيه البعيدة ، كلٌّ يبحث عن ظله المنعكس في العتمة ، عن مكانه المجهول والذي سيطمئن إليه عند لقائه ،كأن الأمكنة تزحف نحو أصحابها، هكذا تقول الأساطير .
ساهٍ على الكرسي في صدر الطاولة، وله يَدٌ يتعكّزُ عليها رأسه المثقل، وعيناه المعلّقتان في انطفاء السماء ساعة الغروب ، كأنها مصباحٌ يضيء من وقود تسَرّبَ لأفئدة الغرباء الماكثين أعواماً في ذات المكان.
على هذا الحال منذُ أن فقد ذاكرة السعادة ، وتآكل بعضه من سرطان الوحدة ، تمرّ التحايا عليه كأضغاث الأحلام في وضح النهار ، لقد سئم القهوة الباردة والتي يحضرها العامل حارّة دون وعيه بأن الوقت يسرق من الكوب حرارته، ويشبّ في رأسه الشيب مثل منخفض ثلجي بمنتصف الصيف ، أما يديه فهي لوحةٌ من الخطوط التي مشاها بمخيّلته الشاقّه، وطرقه البائسة، والمتشابهة .
بلحظة شرود سقطت من جيب القدر ، أقبلت عليه نَسمة فارعة الطول نحيلَةُ الظلّ بوجهٍ يعرفه منذ نعومة الأحلام وجمرة الشباب، كأنه رآها في حلمه البارحة .
ذهولٌ يقتحم وجهه كماءٍ بارد ينصب على ثَمِلٍ لا يعرف الوعي .
تدنو من الكرسي الأزرق المقابل له، تخالها بَصّارةً وعلى راحة يديها نصف الكلام الذي كتبه على يده،
في وجهها المخفي عنه شربة الماء التي سَتُذهِبُ غصّة النطق بما لا يملك .
سريعاً يسنِدُ ظهرَه المحني من اليأس ويرتبُ مظهره الذي نسيَ عند المرآة التي بجانب الباب قبل خروجه منذ عشرين عام .
فيمدّ إليها قميص فصوله المهترئ فتخيط ندوب وجهه القلق بخيط الطمأنينة .
تجالسُهُ ساعةً أو اثنتين ، فتصلِحُ الأعوام التي خلت بصمتٍ صوتُه بريء .
يعود العامِلُ لمكان جلوسه فيجِدُ ورقةً مطويّة قيل فيها ،لقد ذهبتْ قبل أن ألقاها ، ومع ذلك تسامرت مع ظلها على الكرسي الفارغ ، لقد امتلأ المكان، عليّ الهروب سريعاً لتوضيب حجرات قلبي .




