قراءة في فلسفة المكان في مهرجان عشيات طقوس (الدورة 19)

مدير المهرجان- واصف الدلالعة
حين يختار مهرجان “عشيات طقوس” أن يمنح دورته التاسعة عشرة اسم “دورة البتراء”، فإنه لا يمارس فعلاً مسرحياً معزولاً عن سياقه التنموي، بل يدرك بعمق أن المسرح هو أرقى أشكال “السياحة الثقافية”. إن المهرجان، في الوقت الذي يبحث فيه عن قدسية الطقس وتناغم الروح مع صمت الحجر، فإنه يمنح المدينة الوردية بُعداً فنياً مضافاً؛ حيث تتحول البتراء من مقصد أثري وتاريخي جامد إلى منصة حية تضج بالإبداع العالمي، مما يعزز من مكانتها كحاضنة للفنون والطقوس الإنسانية العابرة للحدود.
إن المهرجان لم يأتِ ليتسلق أكتاف التاريخ في البتراء من أجل الترويج السياحي السطحي، بل جاء ليعيد استنطاق الفضاء بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الدراما. لقد أثبتت هذه الدورة أن المسرح، حين يخرج من علبته المغلقة ليصافح أعمدة البتراء، يمارس دوراً تنويرياً يسوق للمدينة كوجهة للسياحة الفنية الرصينة، لا سياحة العبور العابر. لقد كان الرهان هنا على تحويل المكان إلى “مختبر للجمال”، مما يجعل الزائر للمهرجان يرى في البتراء ليس فقط مدينةً للماضي، بل مركزاً لثقافة حية تتجدد على أيدي المسرحيين.
قدسية الفعل المسرحي في الفضاء العام
لقد جاءت العروض في دورة البتراء لتؤكد أن جوهر المهرجان يكمن في “الروح” قبل “الصنعة”، وهو ما منح الحدث وقاراً ينسجم مع هيبة المكان. إن علاقة المسرح بالطقس في البتراء هي علاقة اتصال بالجذور؛ فالمسرح هنا ليس مجرد ترفيه، بل هو محاولة لاستعادة “قدسية الحوار” بين الإنسان والوجود. لقد وفقت الدورة في خلق هذه الحالة؛ حالة “الرهبة” التي تسبق العرض، وتلك “السكينة” التي تعقبه، مما جعل من المهرجان طقساً احتفالياً بالوجود الإنساني، وفي الوقت ذاته، ترويجاً ثقافياً رفيع المستوى يضع البتراء في صدارة المدن التي تمتزج فيها الحجارة بالروح، والتاريخ بالمعاصرة.
رغم نجاح المهرجان في خلق هذا التناغم بين الروح والمكان، إلا أن القراءة الواقعية تفرض علينا التساؤل: كيف يمكن للمهرجان أن يضمن استدامة هذا التأثير؟ ففي حضرة البتراء، لا يقبل المتلقي -سواء كان محلياً أو سائحاً دولياً- بأقل من لغة مسرحية توازي في عمقها وتأثيرها شموخ الصخور. إن المهرجان مدعو -في دوراته القادمة- لتعميق هذه الرؤية الترويجية، بحيث يصبح “الفن المسرحي” جزءاً أصيلاً من التجربة السياحية لكل من يزور البتراء، ليغادرها وهو يحمل في ذاكرته “طقساً” لا ينسى
إن الدورة التاسعة عشرة (دورة البتراء) ستظل علامة فارقة في ذاكرة “عشيات طقوس”، فقد نجحت في الموازنة بين دفتي المعادلة: الحفاظ على طهرانية المسرح وطقسيته، ودعم المدينة الوردية كمركز إشعاع ثقافي عالمي. لقد تحولت البتراء في هذه الدورة إلى مختبر مفتوح للحوار بين صمت الماضي وأسئلة الحاضر، مؤكدة أن المسرح، حين يدرك سر المكان، يتحول إلى أداةٍ تنموية وجمالية قادرة على إعادة صياغة وجه المدينة أمام العالم.



