الرئيسيةريادة الاعمال

عيسى الجراح يوثق رحلة مسرح الطفل الأردني من جداريات بيت راس إلى خشبة المسرح .. صور

 

فداء الحمزاوي

في أجواء استثنائية جمعت بين سحر المكان وعراقة الحضارات وتنوع الفنون، وفي مدينة البتراء الأثرية تمت قبل أيام فعالية توقيع كتاب المخرج المسرحي عيسى الجراح، ضمن فعاليات مهرجان عشيات طقوس المسرحي في دورته التاسعة عشرة، وبرعاية نقيب الفنانين الدكتور هاني الجراح، وذلك أمام الخزنة، أحد أبرز معالم المدينة الوردية.

وحمل الكتاب عنوان «مسرح الطفل العربي»، ويتناول مسيرة مسرح الطفل، محاولا تتبع جذور الحكاية المسرحية وتحولاتها عبر التاريخ، وصولا إلى التجارب الحديثة في الإخراج ومسرح الدمى والورش التدريبية، إلى جانب رصد تجارب عدد من رواد وفناني المسرح.

وجاء توقيع الكتاب بحضور الوفود العربية المشاركة في المهرجان، وعدد من الضيوف والفنانين والإعلاميين، حيث قام الجراح بتوقيع نسخ من مؤلفه وإهدائها إلى المشاركين والضيوف، في مشهد حمل دلالة خاصة على تلاقي الثقافة والفن العربي في قلب البتراء.

ويقول الجراح إن فكرة الكتاب انطلقت من رغبته في حفظ ذاكرة مسرح الطفل العربي والأردني وتوثيق جذور الحكاية، قبل أن تضيع تفاصيل التجارب المسرحية التي بقي كثير منها حاضرا في ذاكرة أصحابها فقط.

ويأتي الكتاب في نحو 200 صفحة، ويتعامل مع مسرح الطفل بوصفه أكثر من مجرد وسيلة للترفيه، إذ يراه الجراح مساحة تربوية وثقافية تسهم في بناء شخصية الطفل، وتنمية خياله وقدرته على الحوار والتفاعل، وتفتح أمامه آفاقا لاكتشاف العالم من خلال الحكاية والصورة والحركة.

من جداريات بيت راس تبدأ الحكاية

ويعود الجراح في كتابه إلى مدينة بيت راس الأثرية شمالي إربد، مستحضرا جدارياتها بوصفها نموذجا مبكرا للسرد البصري، حيث تتتابع المشاهد وتظهر الشخصيات والأحداث في بناء يجمع الصورة والنقش والحوار.

ويشير الجراح إلى أن تأمل جداريات بيت راس يقود إلى ما يشبه «حكاية مصورة» سبقت القصص المصورة الحديثة بقرون طويلة، لما تحتويه من مشاهد متتابعة وشخصيات وأحداث، وكأن المتلقي يقلب صفحات قصة مصورة.

وتضم الجداريات، بحسب ما يورده الجراح، نحو 260 شخصية ونحو 60 نقشا، من بينها نقوش باللغة الآرامية مكتوبة بحروف يونانية، فيما تظهر بعض الشخصيات وهي تتحدث عن نفسها بصيغة المتكلم، في تداخل لافت بين الصورة والنص والحركة.

ولا يرى الجراح أهمية هذه الجداريات في قدمها التاريخي فحسب، بل في بعدها الإنساني أيضا، إذ توثق تفاصيل من الحياة اليومية وتظهر العمال والحرفيين والفلاحين والحيوانات، لتقدم صورة بصرية عن مجتمع كامل.

الحكواتي.. ذاكرة حية للموروث

ومن الحكاية المصورة ينتقل الكتاب إلى الحكواتي، الذي يصفه الجراح بأنه «ذاكرة حية» للموروث الشعبي، لقدرته على تحويل الرواية إلى مشهد حي عبر الصوت والحركة وتقمص الشخصيات والتفاعل المباشر مع الجمهور.

ويرى الجراح أن الحكواتي يمثل أحد الجذور المهمة لفن المسرح، لأنه لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يجعل المستمع جزءا منها، ويأخذه إلى عالم الشخصيات والأحداث، وهي الوظيفة التي يواصل المسرح أداءها بأدوات مختلفة.

رواد وتجارب في الذاكرة المسرحية

ويتوقف الكتاب عند تجربة محمد بطاح المحيسن، الذي يعده الجراح من رواد المسرح والحركة الثقافية في الأردن، لما جمعه بين التعليم والأدب والمسرح والعمل الوطني، وتوظيفه الثقافة والفن في بناء الوعي وتعزيز اللغة والانتماء.

كما يستعرض الكتاب تجارب عدد من المخرجين والفنانين في مسرح الطفل الأردني، ومن بينهم الدكتور فراس الريموني، وعمران العنوز، وسهاد الزعبي، وواصف دلالعة، إلى جانب تجربة عيسى الجراح في الإخراج ومسرح الدمى والورش التدريبية العربية، ومشاركاته في عدد من الفعاليات والمهرجانات خارج الأردن، ومنها تجارب في المغرب العربي ومهرجان مرتيل.

ويؤكد الجراح أن الكتاب يمثل محاولة لحفظ الذاكرة المسرحية للأجيال الجديدة، خصوصا أن كثيرا من التجارب الفنية قد تبقى حبيسة ذاكرة أصحابها إذا لم تجد طريقها إلى التوثيق والكتابة.

ويختزل الجراح فلسفة الكتاب في أن الحكاية لا تموت، وإنما تغير شكلها، فما كان نقشا على الجدار أصبح صورة ومسرحا ودمى وحركة، وبين حكايات الأمس ومسرح الطفل اليوم تستمر رحلة الإنسان في رواية قصته، فيما يبقى الطفل شريكا أساسيا في صناعة الخيال والمستقبل.

ويأتي توقيع الكتاب أمام الخزنة في البتراء ليمنح هذه التجربة التوثيقية بعدا رمزيا خاصا، فبين حجارة المدينة التي حفظت حكايات حضارات متعاقبة، وكتاب يسعى إلى حفظ ذاكرة المسرح، بدا المشهد وكأنه امتداد طبيعي لفكرة واحدة، أن الفن، مثل المكان، يصبح أكثر خلودا حين يجد من يوثق حكايته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى