زيارة ملكية تعيد رسم آفاق الشراكات الأردنية.. الأردن والصين: من توسيع الشراكة إلى صناعة القيمة

الرقم نيوز- رصد-
ليست زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، إلى جمهورية الصين الشعبية زيارة بروتوكولية أخرى إلى عاصمة كبرى. فالبرنامج الذي يشمل بكين وشنغهاي وشنتشن يحمل في تفاصيله دلالات تتجاوز المسار السياسي التقليدي، ويضع الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا في صلب الزيارة. فبكين مركز القرار السياسي، وشنغهاي واحدة من أهم بوابات المال والتجارة، فيما تمثل شنتشن وجهاً للصين التي انتقلت خلال عقود من التصنيع واسع النطاق إلى الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإنتاج الجديدة.
والسؤال الأهم في قراءة الزيارة ليس ما إذا كان الأردن يتجه شرقاً أو غرباً، فهذه ليست الطريقة التي أدارت بها الدولة الأردنية علاقاتها الخارجية تاريخياً، وإنما: ماذا يريد الأردن من الصين في هذه المرحلة؟ وماذا يمكن أن تضيف الشراكة معها إلى الاقتصاد الوطني؟ وكيف يمكن تحويل علاقة سياسية مستقرة وممتدة إلى شراكة إنتاجية وتكنولوجية أعمق؟
فالسياسة الخارجية الأردنية قامت على اتساع شبكة العلاقات والشراكات بما يخدم المصالح الوطنية ويحافظ في الوقت نفسه على ثوابت المملكة وعلاقاتها الاستراتيجية الراسخة. ومن هذا المنظور، فإن تعزيز العلاقات مع بكين يمثل توسيعاً لمساحة الفرص المتاحة أمام الأردن في عالم يتغير فيه توزيع القوة الاقتصادية والتكنولوجية بصورة متسارعة، وليس انتقالاً من شراكة إلى أخرى أو استبدالاً لعلاقة بعلاقة.
تأتي الزيارة في مرحلة لم تعد فيها الصين مجرد مصدر للمنتجات أو التمويل. فتقرير منتدى الاستراتيجيات الأردني يرصد اتساع الحضور الاقتصادي الصيني في الشرق الأوسط من الطاقة والبنية التحتية إلى التصنيع والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، كما يشير إلى انتقال متزايد في الاستثمار الصيني الخارجي نحو الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية والبطاريات والبنية الرقمية والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه الفرص ستنتقل تلقائياً إلى الأردن، لكنه يعيد صياغة السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة من العلاقات الثنائية: ليس فقط ماذا تستطيع الصين أن تموّل في الأردن، بل ماذا يمكن أن تصنع وتطوّر وتنقل من معرفة وتكنولوجيا إليه؟
وهنا تلتقي فرص التعاون مع الصين مع أولويات رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية، بما تتضمنه من صناعات عالية القيمة، وخدمات مستقبلية، واقتصاد أخضر، وتحول رقمي، وموارد مستدامة، واستهداف لتوفير فرص العمل واستيعاب أعداد متزايدة من الشباب في سوق العمل.
ولهذا فإن قيمة الاستثمار الصيني بالنسبة للأردن لا ينبغي أن تُقاس بحجم رأس المال وحده، وإنما بقدرته على رفع الإنتاجية، وتطوير المهارات، وبناء موردين محليين، وتوسيع قاعدة الصادرات، وإدخال الاقتصاد الأردني في حلقات أعلى من سلاسل القيمة العالمية.
العجز التجاري ليس تفصيلاً
ربما تكون نقطة البداية الأكثر واقعية هي هيكل التجارة بين البلدين. فبحسب تقرير منتدى الاستراتيجيات الأردني، بلغت صادرات الصين إلى الأردن في عام 2025 نحو 6.29 مليار دولار، في حين لم تتجاوز الصادرات الأردنية إلى السوق الصينية نحو 430 مليون دولار، ما يعكس فجوة تجارية كبيرة بين الطرفين.
ولا ينبغي قراءة هذا الاختلال باعتباره مشكلة سياسية في العلاقة، فالتجارة بين اقتصادين يختلفان بشدة في الحجم والقدرة الإنتاجية يصعب أن تكون متوازنة حسابياً، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً بشأن قدرة الأردن على زيادة حضوره في السوق الصينية وتحويل العلاقة التجارية تدريجياً من تدفق واسع للسلع في اتجاه واحد إلى علاقة أكثر تنوعاً في الاتجاهين.
ويملك الأردن فرصاً في قطاعات الفوسفات والبوتاس والأسمدة والكيماويات والأدوية والصناعات الغذائية وبعض المنتجات الزراعية. كما يقدّر تقرير منتدى الاستراتيجيات الأردني، استناداً إلى بيانات مركز التجارة الدولية، فرص التصدير الأردنية غير المستغلة في السوق الصينية بنحو 400 مليون دولار.
وهذا الرقم لا يمثل صادرات مضمونة، وإنما مساحة محتملة تحتاج إلى عمل مؤسسي وتجاري لمعالجة شروط النفاذ إلى السوق، والاعتماد والمواصفات، والتسويق باللغة الصينية، وأحجام الشحنات، وكلفة النقل، وربط المنتجين الأردنيين بالمستوردين وسلاسل التوزيع الصينية.
وهنا تستطيع الزيارة الملكية أن توفر زخماً سياسياً واقتصادياً لملفات عملية محددة. ففتح السوق الصينية بصورة أوسع أمام المنتجات الأردنية يحتاج إلى تسريع إجراءات التسجيل والاعتماد، واستكشاف إمكانات التجارة الإلكترونية، وتشجيع العقود طويلة الأجل في قطاعات تمتلك فيها المملكة ميزات تنافسية، إضافة إلى مساعدة الشركات الأردنية على بناء قدرات تصديرية تتناسب مع حجم السوق الصينية ومتطلباتها.
من الاستثمار في الطاقة إلى الاستثمار في التكنولوجيا
تكشف خريطة الاستثمارات الصينية في الأردن جانباً آخر من التحدي والفرصة. فقد بلغ الاستثمار الصيني المباشر المنجز في المملكة نحو 3.562 مليار دولار خلال الفترة 2010–2025، وكان الجزء الأكبر منه متركزاً في قطاع الطاقة، مقابل حضور أقل في قطاعات أخرى، من بينها المنتجات الاستهلاكية والسيارات والخدمات المالية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
ولا ينتقص ذلك من أهمية الاستثمار في الطاقة، فهو قطاع حيوي بالنسبة للاقتصاد الأردني، لكنه يطرح سؤالاً بشأن المرحلة المقبلة: كيف يستطيع الأردن استقطاب مساحة أكبر من القدرات الصناعية والتكنولوجية التي أصبحت الصين إحدى أهم القوى العالمية فيها؟
الفرصة تكمن في الانتقال إلى جيل جديد من الاستثمارات يشمل التصنيع المتقدم، والإلكترونيات، والبطاريات، والمركبات الكهربائية، وتخزين الطاقة، والخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا الزراعية، والتعدين التحويلي، والنقل والخدمات اللوجستية.
لكن استقطاب هذه الاستثمارات لا يتحقق بمجرد طرح قائمة طويلة من القطاعات. المطلوب أن تقدم المملكة مشاريع واضحة قابلة للتنفيذ والاستثمار، تحدد فيها الأرض والطاقة والمهارات والحوافز والأسواق وقواعد المنشأ، وأن يرتبط المستثمر منذ البداية بمنظومة أردنية تضم الشركات والموردين والجامعات ومؤسسات التدريب والبحث العلمي.
وبذلك يصبح معيار نجاح الاتفاقيات ليس عددها، وإنما قدرتها على التحول إلى خطوط إنتاج، ومراكز بحث وتطوير، وبرامج تدريب، وفرص عمل، ومشتريات محلية، وصادرات ذات قيمة مضافة أردنية.
فالاستثمار الأكثر أهمية ليس بالضرورة الأكبر حجماً، وإنما ذلك الذي يترك وراءه معرفة وقدرة إنتاجية ومهارة محلية تستمر بعد إنجاز المشروع.
شنتشن.. قراءة في تجربة الابتكار
تحمل محطة شنتشن في الزيارة دلالة اقتصادية خاصة. فالمدينة أصبحت أحد أبرز رموز التحول الصيني من التصنيع منخفض التكلفة إلى التكنولوجيا المتقدمة والابتكار والشركات العالمية وسلاسل القيمة الصناعية.
ولا يستطيع الأردن، بطبيعة الحال، استنساخ تجربة شنتشن؛ فالفوارق في الحجم والسوق والموارد والتجربة التاريخية كبيرة. لكن القيمة تكمن في فهم العناصر التي جعلت التكنولوجيا تتحول هناك إلى مصانع وشركات ومنتجات وفرص عمل وصادرات.
ويمكن للأردن الاستفادة من بعض عناصر هذه التجربة: المناطق الاقتصادية المتخصصة، والربط الوثيق بين الجامعات والصناعة، وحاضنات الشركات الناشئة، وجذب رأس المال التكنولوجي، وربط البحث العلمي بالطلب الصناعي، وبناء سلاسل موردين محليين حول الاستثمارات الكبرى.
والرسالة الاقتصادية الأهم هنا هي الانتقال تدريجياً من استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة في إنتاجها وتطوير تطبيقاتها، أو توطين أجزاء من سلاسل صناعتها داخل المملكة.
ويمتلك الأردن في هذا المجال عناصر قوة يمكن البناء عليها: موقع جغرافي يربط أسواقاً متعددة، واستقراراً سياسياً ومؤسسياً، ورأس مال بشرياً مؤهلاً، ومناطق صناعية وتنموية، فضلاً عن شبكة من الاتفاقيات التجارية التي تمنح المنتجات الأردنية فرصاً للوصول إلى أسواق إقليمية ودولية واسعة، ومن هنا يمكن أن تتشكل معادلة ذات جدوى للطرفين: رأس مال وتكنولوجيا وخبرة صناعية صينية، تقابلها مهارات وموقع وإمكانات واتفاقيات أردنية، لإقامة إنتاج مشترك قادر على التصدير.
لكن نجاح هذه المعادلة يتطلب أن تكون القيمة المضافة الأردنية حقيقية، وأن توفر المشروعات فرصاً للعمالة الوطنية، وتنقل المعرفة والمهارات، وتستوفي قواعد المنشأ والمعايير التجارية، وتحافظ على مصالح المملكة وعلاقاتها الاقتصادية مع مختلف شركائها.
من أمن الطاقة إلى امتلاك المعرفة
يقدم قطاع الطاقة نموذجاً عملياً لما يمكن أن تتطور إليه العلاقة الأردنية–الصينية، فالأردن حقق خلال السنوات الماضية تقدماً ملحوظاً في الطاقة المتجددة، ويطمح إلى رفع مساهمتها في مزيج الطاقة مستقبلاً، فيما تمتلك الصين قدرات ضخمة في صناعة الألواح الشمسية والبطاريات وتخزين الكهرباء والشبكات الذكية والمركبات الكهربائية ومكونات الاقتصاد الأخضر.
ومن هنا ينبغي أن تنتقل المرحلة المقبلة من التعاون من التركيز على إنشاء مشروعات الطاقة وتمويلها إلى بناء قدرات محلية مرتبطة بتكنولوجيا الطاقة نفسها.
فالفرصة لا تتوقف عند إنشاء محطة شمسية أو مشروع توليد جديد، وإنما تمتد إلى تصنيع بعض المكونات، وتطوير حلول التخزين، والشبكات الذكية، وإدارة الطلب على الكهرباء، والبنية التحتية للمركبات الكهربائية، والتكنولوجيا المرتبطة بالهيدروجين الأخضر.
وبعبارة أخرى، يحتاج الأردن إلى أن يجعل من أمن الطاقة مدخلاً لبناء قدرة تكنولوجية وطنية في قطاع الطاقة، بحيث لا يكون مستفيداً من المنتج النهائي فحسب، وإنما شريكاً في جزء من المعرفة والقيمة التي تقف وراءه.
الدواء والسياحة والصناعات الإبداعية
ولا ينبغي أن تنحصر الشراكة الجديدة في القطاعات الثقيلة، فالأردن يمتلك خبرة متقدمة نسبياً في الصناعات الدوائية، في حين تتمتع الصين بسوق واسعة وقاعدة بحثية وصناعية كبيرة. وتفتح هذه المعادلة مسارات محتملة للتعاون تشمل التصنيع المشترك، ومراكز البحث والتطوير، والتكنولوجيا الحيوية، وتسجيل الأدوية الأردنية في السوق الصينية، وتشجيع الاستثمارات الصينية في المصانع الأردنية، واستخدام المملكة قاعدة لبعض الصناعات الموجهة إلى أسواق المنطقة.
والمنطق نفسه ينطبق على الغذاء والتكنولوجيا الزراعية والأسمدة والصناعات المرتبطة بالمعادن: الهدف أن يصعد الاقتصاد الأردني في سلم القيمة، وأن يزداد نصيب المعرفة والتصنيع في صادراته، أما السياحة، فتحتاج إلى مقاربة مختلفة عن الترويج التقليدي. وقد تحدث جلالة الملك عن الرغبة في تعزيز الربط الجوي مع الصين، باعتبارها من الأسواق المستهدفة، وعن إمكانية الاستفادة من الأردن وجهةً لصناعة السينما الصينية، وتحويل هذه الفكرة إلى عائد اقتصادي يحتاج إلى تسهيل الوصول، وتعزيز الحضور الأردني على المنصات الرقمية الصينية، وتطوير خدمات تلائم الزائر الصيني، وتوفير مرشدين وبرامج سياحية مصممة لهذه السوق.
كما يمكن للصناعات السينمائية والإبداعية أن تقدم للأردن قناة عالمية إضافية لتسويق البتراء ووادي رم والبحر الميت وغيرها من المواقع، شريطة أن تكون مشروعات الإنتاج نفسها مرتبطة بتشغيل محلي، وتنمية المهارات، والمحافظة على التراث والبيئة.
الصين والقضية الفلسطينية
ولا يمكن اختزال العلاقة الأردنية–الصينية في الاقتصاد، فالصين عضو دائم في مجلس الأمن، وتتبنى موقفاً معلناً يؤيد حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهي خطوط عامة تلتقي مع الموقف الأردني الثابت تجاه القضية الفلسطينية، ويواصل الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، التأكيد أن القضية الفلسطينية تظل في صدارة قضايا المنطقة، وأن تحقيق السلام العادل والشامل يتطلب قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب استمرار المملكة في تحمل مسؤولياتها التاريخية تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس في إطار الوصاية الهاشمية.
ومن هنا يستطيع الأردن أن يستثمر علاقاته الدولية الواسعة، بما فيها علاقته مع الصين، لتوسيع دائرة التأييد للحل السياسي، وتعزيز احترام القانون الدولي، ورفض التهجير، ودعم الجهود الرامية إلى منع اتساع الصراع، وفي الوقت نفسه، تقتضي الواقعية السياسية النظر إلى الدور الصيني باعتباره جزءاً من شبكة دولية أوسع تحتاجها القضية الفلسطينية، لا بديلاً عن بقية القوى والمؤسسات الدولية. فقوة الدبلوماسية الأردنية تاريخياً تكمن في قدرتها على العمل عبر علاقات متعددة ومتوازية خدمةً لمواقفها وثوابتها الوطنية.
شراكات متعددة ومصلحة أردنية واحدة
تبقى العلاقات الأردنية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية والخليجية ركائز أساسية في السياسة الخارجية والاقتصاد والأمن الوطني، تماماً كما أن تطوير العلاقات مع الصين وغيرها من القوى الاقتصادية الكبرى يفتح أمام المملكة فرصاً إضافية للنمو والاستثمار، ولا يوجد تعارض جوهري بين المسارين إذا أُديرا في إطار واضح أساسه المصلحة الوطنية الأردنية.
فتنويع الشراكات لا يعني الوقوف بين معسكرات، وإنما توسيع شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تستطيع المملكة من خلالها تحقيق أهدافها التنموية، مع مراعاة خصوصية القطاعات الاستراتيجية والاعتبارات التنظيمية والأمنية ومتطلبات حماية البيانات والبنية التحتية والمصالح الاقتصادية للمملكة،وهذا يتطلب تقييماً مؤسسياً لكل مشروع وفق جدواه وتأثيره ومخاطره وفرصه، بعيداً عن الاندفاع غير المحسوب من جهة، أو إغلاق أبواب الفرص بسبب المنافسة الدولية من جهة أخرى، الأردن ليس مطالباً باختيار العالم الذي يريد التعامل معه؛ بل بأن يعرف ماذا يريد من العالم، وأين تكمن مصلحته، وما الشروط التي تجعل كل شراكة تضيف إلى قدرته الاقتصادية والتنموية.
أجندة العقد المقبل
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية في ضوء اقتراب مرور نصف قرن على إقامة العلاقات الدبلوماسية الأردنية–الصينية، وبعد أكثر من عقد على إطلاق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وهذا يوفر فرصة للنظر إلى العلاقة من زاوية السنوات العشر المقبلة، لا من زاوية الاتفاقيات التي يمكن توقيعها خلال أيام الزيارة وحدها.
التحول المطلوب واضح: من التجارة إلى الإنتاج المشترك، ومن التمويل إلى نقل المعرفة والتكنولوجيا، ومن المشروعات المنفردة إلى سلاسل قيمة مترابطة، ومن العلاقات الحكومية إلى شبكة أوسع من العلاقات بين الشركات والجامعات ومراكز البحث، ومن التبادل التقليدي إلى تعاون أكثر عمقاً في الابتكار والتعليم والتكنولوجيا.
ولكي لا تبقى هذه العناوين في إطار التطلعات، يحتاج الأردن إلى آلية متابعة مستمرة تجمع الجهات الحكومية المعنية والقطاع الخاص والجامعات والمؤسسات البحثية، وتتعامل مع كل مشروع وفق مؤشرات واضحة: ما الجدول الزمني؟ كم وظيفة سيولد؟ ما حجم المشتريات المحلية؟ ما المعرفة التي سينقلها؟ ما الأسواق التي يستهدفها؟ وما العقبات التي تحتاج إلى معالجة؟بهذه المقاربة وحدها تتحول العلاقات السياسية المتميزة إلى نتائج اقتصادية يمكن قياسها.
وفي نهاية المطاف، لن يُقاس الأثر الاقتصادي لزيارة الصين بعدد مذكرات التفاهم أو الاتفاقيات التي تُعلن خلالها، وإنما بما يحدث بعدها: مصنع يبدأ الإنتاج، وشركة أردنية تدخل سوقاً جديدة، وتكنولوجيا تنتقل، وشاب أردني يحصل على مهارة أو فرصة عمل، ومنتج محلي يصل إلى المستهلك الصيني.
هذه هي القيمة الاستراتيجية الحقيقية للزيارة: أن يوسع الأردن خياراته وشراكاته من موقع الثقة بثوابته ومصالحه، وأن تتحول علاقته مع واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم من علاقة يغلب عليها الاستيراد والاستثمار التقليدي إلى شراكة أعمق في الإنتاج والمعرفة والتكنولوجيا.
المصدر / الصنارة نيوز




