خطاب العرش ومسؤولية البرلمان

بقلم النائب محمد عبد الله البستنجي
وضع جلالة الملك عبدالله الثاني، في خطاب العرش السامي بافتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، أولويات واضحة لحماية أمن الأردن ووحدته، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق تنمية يلمس المواطن أثرها، وهي أولويات تتكامل مع مسؤولية البرلمان في التشريع والرقابة، وتعزيز ثقة الأردنيين بمؤسساتهم وقدرتها على الاستجابة لاحتياجاتهم
وحمل استهلال الخطاب باستحضار شهداء الهجوم الإرهابي في الكرك دلالة وطنية عميقة، فاستهداف الأردنيين يستهدف وحدة الدولة ونسيجها الاجتماعي، ولذلك جاء الموقف الملكي حاسماً في مواجهة الإرهاب، ومؤكداً الثقة بوعي الشعب وتماسكه، وهو ما يضع على عاتقنا مسؤولية حماية وحدتنا الوطنية، وإسناد قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، ومواجهة محاولات إثارة الفتنة والانقسام بخطاب مسؤول
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية ربط جلالته مناعة الجبهة الداخلية بمكانة مجلس الأمة ومبدأ أن الأمة مصدر السلطات، فالمشاركة السياسية والتمثيل النيابي والرقابة الفاعلة تعزز قوة الدولة، وتمنح المواطنين الثقة بأن مطالبهم تجد طريقها إلى المؤسسات، وأن اختلاف الآراء يسهم في تصحيح السياسات وتحسين القرارات ما دامت المصلحة الوطنية هي الغاية
ومن موقعنا في مجلس النواب، تضعنا هذه الرسالة أمام مسؤولية ترتيب أولوياتنا وفق احتياجات الناس، ومتابعة قضايا التشغيل والخدمات وكلفة المعيشة، ومساءلة الحكومة عن تنفيذ تعهداتها وأسباب التأخر فيها، كما يستدعي التنبيه الملكي إلى سلوك البرلمان وخطابه إدارة الاختلاف بالحجة والمعلومة والاحترام، بما يحفظ مكانة المجلس ويعزز أثره في الحياة العامة
ويقتضي ذلك أن يكون التعاون بين السلطتين قائماً على وضوح المسؤوليات، فالحكومة تنفذ والمجلس يشرع ويراقب، والتوافق على الأولويات الوطنية ينبغي أن يقترن بمتابعة جادة للأداء، وطلب إجابات محددة، وتقييم أثر القرارات قبل إقرارها وبعد تطبيقها، بما يحمي مصالح المواطنين ويمنح العمل البرلماني قيمة عملية واضحة
وتتصل بذلك رسالة سيادة القانون ورفض إساءة استخدام المنصب، فالوظيفة العامة مسؤولية لخدمة المواطنين، وهيبة الدولة تتعزز بعدالة الإجراءات والمساواة في تطبيقها، واطمئنان الناس إلى أن النفوذ لا يمنح معاملة تفضيلية، ومن واجب المجلس متابعة أداء المؤسسات ومعالجة الشكاوى ومساءلة المقصر، لأن تجربة المواطن اليومية مع الإدارة تشكل جانباً أساسياً من ثقته بالدولة
أما اقتصادياً، فإن الدعوة إلى تسريع المشاريع الكبرى تنقل المسؤولية إلى ميدان التنفيذ، وتستوجب متابعة مواعيد الإنجاز ومعالجة العقبات وقياس النتائج، فالقيمة الحقيقية لهذه المشاريع تتحدد بقدرتها على توفير فرص العمل وتحسين الخدمات ووصول منافع التنمية إلى المحافظات، وهو ما ينبغي أن يحكم نقاشاتنا النيابية ورقابتنا على الإنفاق والأداء الحكومي
ويكتسب التشديد الملكي على الأمن المائي أهمية استثنائية، لارتباط المياه باستقرار المجتمع واستمرار النشاط الاقتصادي، الأمر الذي يفرض متابعة المشاريع الاستراتيجية وكفاءة إدارة الموارد والاستعداد للمخاطر، وضمان انعكاس هذه الجهود على انتظام الخدمة وعدالتها، فحماية احتياجات الأردنيين المائية مسؤولية وطنية تتطلب تخطيطاً مستمراً وتنفيذاً دقيقاً
وعلى المستوى الإقليمي، أكد الخطاب ثبات الموقف الأردني تجاه الحقوق الفلسطينية وخطورة الأطماع التوسعية الإسرائيلية، بما يعكس الترابط بين مستقبل القضية الفلسطينية وأمن المنطقة، وفي قراءتي، فإن تعزيز قوة الأردن الداخلية يوسع قدرته على الدفاع عن مصالحه ومساندة الشعب الفلسطيني، ويجعل التماسك الوطني وكفاءة المؤسسات والتنمية عناصر داعمة لموقفه السياسي
ويكتمل ذلك بتأكيد حق المواطنين في مناقشة الشأن العام واحترام الاختلاف، وهو ما يلزمنا بإتاحة مساحة جادة للرأي وتحويل المطالب المشروعة إلى عمل مؤسسي، لقد حدد خطاب العرش الأولويات، ويبقى اختبار الحكومة والبرلمان في ترجمتها إلى تشريعات تستجيب للحاجة، ورقابة تتابع التنفيذ، ومشاريع تنجز في مواعيدها، وخدمات تتحسن، ونتائج يلمسها الأردنيون في حياتهم اليومية



