مقالات اقتصادية

خطاب الملك في الأمم المتحدة.. عندما تُسمّى الأمور بأسمائها

ماجد أحمد السيبيه

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطاباً دبلوماسياً تقليدياً، ولا مجرد تكرار للموقف الأردني من القضية الفلسطينية وأزمات المنطقة، بل جاء واضحاً وصريحاً، وضع فيه جلالة الملك المشهد أمام العالم، وسمّى كثيراً من الوقائع بأسمائها، محمّلاً المجتمع الدولي مسؤولية ما يحدث.
في فلسطين، كان هجوم الملك واضحاً على الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، في غزة والضفة الغربية على حد سواء. فالملك رفض التعامل مع ما يجري باعتباره أحداثاً منفصلة، ووضع غزة والضفة الغربية في سياق واحد، محذراً من أن الوقائع التي تُفرض على الأرض تهدف في نتيجتها إلى جعل قيام الدولة الفلسطينية أمراً مستحيلاً.
وفي الضفة الغربية تحديداً، جاءت إحدى أقوى عبارات الخطاب وأكثرها وضوحاً: التهجير القسري له اسم، وهو جريمة حرب. لم يحاول الملك تجميل الواقع أو تخفيفه بمصطلحات دبلوماسية، بل وضع الفعل في توصيفه المباشر، متحدثاً عن سياسة تهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أرضهم.
وهنا كانت الرسالة إلى المجتمع الدولي أكثر من مجرد إدانة؛ فإذا كان العالم يرى ما يحدث، ويعرف مخاطره، فما قيمة القانون الدولي إذا لم يُطبّق على الجميع؟ وكيف يمكن الحديث عن نظام دولي قائم على القواعد بينما تستمر الوقائع التي تقوّض هذه القواعد؟
الملك وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز إصدار البيانات والإدانات، إلى ضرورة التحرك لمنع تحويل الوقائع المفروضة على الأرض إلى أمر دائم، والتعامل مع جذور الصراع بدلاً من الاكتفاء بإدارته من أزمة إلى أخرى.
لكن خطاب الملك لم يتوقف عند فلسطين.
ففي سوريا، حذّر جلالته من التوغلات الإسرائيلية المتكررة والتوسع الجغرافي، معتبراً أن الأطماع التوسعية الإسرائيلية باتت تهديداً إقليمياً، وهو ما يجعل المسألة، من وجهة النظر الأردنية، مرتبطة مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها، وبالأخص أمن الأردن وسيادته.
وكانت الرسالة الأردنية واضحة: الأردن دولة تؤمن بالسلامه والدبلوماسية والحوار، لكنه في الوقت ذاته لا يمكن أن يقبل بأن تتحول سياسة ضبط النفس إلى مدخل لفرض وقائع جديدة تهدد أمنه أو أمن الدول العربية المجاورة. وقد سبق للملك أن أكد أن الأردن سيواصل اتخاذ ما يلزم لحماية أمنه وسيادته وسلامة مواطنيه.
وفي جوهر الخطاب، كان هناك رفض لفكرة أن استمرار الحروب والصراعات يمكن أن يصبح أمراً اعتيادياً. فالجوع لا ينتظر الحلول السياسية، والأطفال الذين يعيشون تحت القصف لا تعنيهم حسابات القوى الكبرى، والمهجّر الذي فقد بيته لا تعنيه البيانات التي تصدر بعد كل مأساة.
ولهذا فإن الحل الذي يطرحه الأردن لا يقف عند وقف إطلاق النار، وإنما يتطلب معالجة جذور الصراع، وإنهاء الاحتلال، وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة وفق حل الدولتين، واحترام القانون الدولي وسيادة الدول.
لقد كان خطاب الملك صريحاً لأن الواقع أصبح أكثر صراحة.
حين يصبح قتل المدنيين والتدمير والتهجير والاستيطان وفرض الوقائع على الأرض مشاهد تتكرر، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي هو أن يعتاد عليها. ولذلك جاء الخطاب ليكسر هذا الاعتياد، ويعيد وضع القضايا في سياقها الحقيقي: غزة والضفة الغربية ليستا قصتين منفصلتين، وما يحدث في سوريا ليس بعيداً عن أمن المنطقة، والتوسع لا يصبح مشروعاً لمجرد أنه يتكرر.
وفي كل ذلك، بقي الموقف الأردني ثابتاً: السلام العادل هو الطريق، لكن السلام لا يعني التنازل عن الحقوق، والدبلوماسية لا تعني الضعف، والهدوء الأردني لا يعني القبول بأي تهديد للأمن الوطني.
وهذه الرسالة تحديداً تجد صداها في وجدان الأردنيين الذين طالما رأوا في مواقف الملك تجاه القضية الفلسطينية والقدس وقضايا الأمة تعبيراً عن الموقف الوطني الأردني، وعن ثوابت لم تتغير رغم تعقيدات المنطقة. فحين يتحدث الملك عن فلسطين، وعن القدس، وعن معاناة الشعب الفلسطيني، وعن مخاطر التوسع والتهجير، فإنه لا يتحدث في فراغ، وإنما يستند إلى موقف أردني ثابت يرى في هذه القضايا جزءاً من مسؤولية الأردن التاريخية والقومية.
وفي نيويورك، كان السؤال الذي تركه الملك أمام العالم واضحاً: إذا كان المجتمع الدولي يعرف ما يجري، ويمتلك أدوات التأثير، فهل يملك الإرادة السياسية لاستخدامها؟
فالمطلوب لم يعد مجرد إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وإنما حلّه. وليس المطلوب هدنة جديدة فحسب، وإنما سلام عادل يعالج جذور الأزمة، ويحفظ حقوق الشعوب، ويحمي سيادة الدول، ويضع حداً لسياسة فرض الوقائع بالقوة.
ذلك هو جوهر خطاب الملك: تسمية الجرائم والانتهاكات بأسمائها، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، والتحذير من أن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى على الاحتلال والقوة والتوسع.
وفي الوقت ذاته، أكد الأردن أنه سيبقى دولة سلام ودولة موقف، متمسكاً بالدبلوماسية والحوار، لكنه لن يساوم على أمنه ومصالحه الوطنية، ولن يتخلى عن مواقفه تجاه قضايا أمته.
وهو موقف يجد، كما في كل مرة، صدى واسعاً في وجدان الأردنيين، الذين ينظرون إلى مواقف الملك تجاه فلسطين والقدس وقضايا المنطقة باعتزاز، ويرون فيها امتداداً لموقف الأردن الثابت، ودوراً وطنياً وقومياً لا يتخلى عن الحقوق العربية مهما اشتدت الظروف وتعقدت الحسابات.
ففي النهاية، لا يمكن بناء سلام حقيقي على الاحتلال، ولا استقرار دائم على التوسع، ولا مستقبل للمنطقة من دون عدالة.
وهذه هي الرسالة التي حملها خطاب الملك إلى العالم: لا لإدارة الصراع إلى ما لا نهاية، نعم لحل عادل، ولا لفرض الوقائع بالقوة، ونعم لسلام يحفظ الحقوق والسيادة والأمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى