الصين تضع عينها على الدواء الأردني.. شراكات ومصانع مشتركة وبوابة إلى أسواق العالم

الرقم نيوز -رصد – كشفت اللقاءات التي عقدها جلالة الملك عبدالله الثاني في مدينة شنغهاي مع قيادات شركات صينية كبرى عن اهتمام لافت بالصناعة الدوائية الأردنية، تجاوز فكرة تصدير الأدوية الصينية إلى المملكة، ليصل إلى البحث عن شركاء أردنيين، وإقامة مشاريع ومصانع مشتركة، وتطوير الأبحاث والتجارب السريرية، واستخدام الأردن منصة للوصول إلى أسواق إقليمية وعالمية.
وتشير قراءة خاصة لـالصنارة نيوز في واقع القطاع الدوائي إلى أن هذا الاهتمام لا يرتبط بحجم السوق الأردنية وحدها، بل بمجموعة من المزايا التي راكمتها الصناعة الدوائية في المملكة خلال عقود، وفي مقدمتها الخبرة التصنيعية، والانتشار الواسع في الأسواق الخارجية، والكوادر البشرية المتخصصة، إلى جانب تطور المنظومة الرقابية الدوائية.
شركات صينية تبحث عن شريك أردني
وخلال اللقاءات الملكية في شنغهاي، أعلن رئيس شركة فوسون فارما والرئيس التنفيذي لقسم الأدوية المبتكرة، وانغ شينغلي، أن الشركة تبحث عن شركاء محليين في الأردن لإقامة مشروع مشترك يمكن من خلاله ترخيص الأدوية الصينية المبتكرة عبر الشبكة الأردنية وتوزيعها في المملكة والمنطقة.
والأهم أن الطرح الصيني لا يقف عند التصنيع أو التوزيع التجاري، إذ تحدث شينغلي عن التعاون في البحث والتطوير السريري وإنشاء شبكة للتجارب السريرية، إلى جانب الاستفادة من الكفاءات الأردنية في مجالات الابتكار والاكتشاف الدوائي.
وفي الاتجاه ذاته، وصف رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة تشجيانغ هيسون للأدوية شياو ويهونغ الأردن بأنه «بوابة ذهبية» للوصول إلى أسواق آسيا وأوروبا وإفريقيا، مشيراً إلى إمكانية إقامة مصانع ومشاريع مشتركة، إلى جانب فتح المجال أمام المنتجات الدوائية الأردنية للوصول إلى السوق الصينية.
كما لفت المسؤول الصيني بصورة مباشرة إلى التجربة الصناعية لشركة الحكمة للصناعات الدوائية وما تتمتع به من منظومة صناعية متقدمة، في مؤشر على أن الشركات الصينية تراقب القدرات التي وصلت إليها الشركات الدوائية الأردنية ومدى توافقها مع المعايير الدولية.
642 مليون دينار صادرات في عام واحد
وتفسر الأرقام جانباً مهماً من الاهتمام الصيني بالصناعة الدوائية الأردنية.
فقطاع صناعة الأدوية البشرية في الأردن يضم نحو 30 منشأة، برأسمال مسجل يقارب 350 مليون دينار، ويوفر نحو 10 آلاف فرصة عمل مباشرة، فيما تصل صادراته إلى 85 سوقاً حول العالم.
كما يتمتع القطاع بطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى نحو 1.5 مليار دينار، وينتج أكثر من 5 آلاف صنف دوائي تغطي تخصصات علاجية متعددة.
وسجلت صادرات المملكة من مستحضرات الصيدلة خلال عام 2025 نحو 642 مليون دينار، مقابل 611 مليون دينار في عام 2024، بنمو بلغ 5.1%.
واستمر الزخم خلال العام الحالي، إذ ارتفعت صادرات الأدوية البشرية في الربع الأول من عام 2026 بنسبة 17.6%، لتصل إلى 147 مليون دينار، مقابل 125 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.
وتضع رؤية التحديث الاقتصادي هدفاً لرفع صادرات القطاع إلى نحو 2.1 مليار دينار بحلول عام 2033، ما يعني أن الصناعة الدوائية لا تزال أمام مساحة كبيرة للتوسع وجذب شراكات ورؤوس أموال جديدة.
ورقة قوة رقابية جديدة
ومن العوامل التي تعزز جاذبية الأردن للصناعات الدوائية العالمية، حصول المؤسسة العامة للغذاء والدواء الأردنية على عضوية منظمة التفتيش الدوائي التعاوني PIC/S في تشرين الثاني 2025، ليصبح الأردن ثاني دولة عربية تنضم إلى المنظمة بعد استيفاء المتطلبات والمعايير اللازمة.
وتكتسب هذه العضوية أهمية استثمارية، كونها تعزز الاعتراف بالمنظومة الأردنية للتفتيش على مصانع الأدوية وممارسات التصنيع الجيد، وتدعم الثقة بجودة الصناعة المحلية، إلى جانب ما يمكن أن تمثله من عامل داعم أمام وصول الدواء الأردني إلى أسواق خارجية جديدة.
وتبرز أهمية هذا التطور تحديداً عند الحديث عن الشركات الصينية التي تبحث عن منصة لتطوير وترخيص منتجات دوائية موجهة لأسواق متعددة، إذ تصبح البيئة الرقابية وجودة التصنيع والقدرة على إجراء الدراسات والتجارب عناصر رئيسية في قرار اختيار موقع الاستثمار.
الأردن ليس سوقاً فقط
ويبدو من طبيعة الطروحات الصينية أن السوق الأردنية بحد ذاتها ليست الهدف النهائي، وإنما ما يمكن أن يقدمه الأردن كنقطة انطلاق إلى أسواق أوسع.
وترتبط المملكة بشبكة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح الوصول إلى أكثر من 50 سوقاً، إلى جانب موقع استراتيجي يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، في وقت تتجه فيه العلاقات الاستثمارية مع الصين نحو التركيز على الصناعة ونقل التكنولوجيا والاستثمارات ذات القيمة المضافة.
وهنا تتقاطع المصالح بين الطرفين؛ فالشركات الصينية تمتلك رأس المال والتكنولوجيا ومحافظ واسعة من الأدوية المبتكرة، بينما يمتلك الأردن خبرة طويلة في التصنيع الدوائي، وكفاءات بشرية، ومنظومة رقابية متطورة، وشركات لديها خبرة فعلية في الوصول إلى الأسواق الخارجية.
فرصة تتجاوز الاستيراد والتوزيع
وبحسب قراءة الصنارة نيوز، فإن القيمة الحقيقية للاهتمام الصيني تكمن في قدرة الأردن على تحويل المباحثات من اتفاقات لتوزيع الأدوية إلى استثمارات صناعية وبحثية طويلة الأمد، تشمل التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وإقامة مراكز للبحث والتطوير والتجارب السريرية، وإنتاج أصناف دوائية جديدة من المملكة.
وفي حال تحولت الطروحات التي أعلنتها شركتا «فوسون فارما» و«هيسون» إلى مشاريع فعلية، فإن القطاع الدوائي الأردني قد يكون أمام مرحلة جديدة لا تقتصر على زيادة الصادرات، بل ترفع موقع المملكة في سلسلة القيمة الدوائية من مصنع ومصدر للدواء إلى شريك في تطويره وابتكاره وتسويقه عالمياً
المصدر : الصنارة نيوز




