فعاليات اقتصادية

من بكين.. وإعلاميون يستشرفون مستقبل المهنة بعصر “الذكاء”

الرقم نيوز – لم تبدأ رحلة أكثر من 30 إعلاميا شابا من 8 دول عربية في الصين داخل قاعات المحاضرات والزيارات التدريبية الميدانية، بل بدأت بسؤال أكبر من البرنامج التدريبي نفسه؛ كيف سيبدو الإعلام بعد سنوات قليلة في ظل الذكاء الاصطناعي، والخوارزميات، والمنصات الرقمية التي تعيد رسم علاقة الجمهور بالأخبار؟

ولم تكن رسائل الدورة التدريبية للإعلاميين الشباب للدول العربية، مقتصرة على مستقبل الإعلام والتحول الرقمي، بل أكدت أيضا أن التعاون الإعلامي يمثل أحد أهم مسارات الشراكة المتنامية بين الصين والدول العربية.

وقد عقدت هذه الدورة بتنظيم من الإدارة الوطنية لإذاعة وتلفزيون الصين، وشركة الصين للبث الإذاعي الدولية، للتعاون الاقتصادي والتقني.

وشدد المتحدثون الصينيون على أن العلاقات بين الجانبين تستند إلى تاريخ طويل من الصداقة والتبادل الحضاري، وأن الإعلام بات جسرا لا يقل أهمية عن التعاون الاقتصادي في تعزيز التفاهم بين الشعوب وتصحيح الصور النمطية.

ورأى المتحدثون أن اتساع مجالات التعاون العربي – الصيني يفرض دورا أكبر على الإعلاميين الشباب في نقل صورة أكثر عمقا وواقعية عن المجتمعات، مؤكدين أن التدريب المشترك وتبادل الخبرات يسهمان في إعداد جيل قادر على فهم التحولات العالمية ونقلها بمهنية.

هذا السؤال ظل حاضرا على امتداد 14 يوما من التدريب في بكين وشيآن، حيث انتقل المشاركون بين جلسات أكاديمية، ونقاشات مفتوحة، وزيارات لشركات متخصصة في الإنتاج الإعلامي والسينمائي، للاطلاع على تجربة لا تنظر إلى الإعلام باعتباره وسيلة لنقل الأخبار فقط، بل جزءا من مشروع وطني للتحديث.

وفي مدينة شيآن، إحدى أقدم المدن الصينية والعاصمة التاريخية لعدد من السلالات الإمبراطورية، اكتشف المشاركون جانبا آخر من التجربة الصينية يقوم على الربط بين التاريخ والحداثة. فالمدينة التي شكلت نقطة انطلاق لطريق الحرير القديم، ما تزال تحتفظ بمعالمها الحضارية التي تعكس قرونا من التبادل بين الحضارات، في وقت تحولت فيه إلى مركز حديث للتكنولوجيا والصناعة والثقافة.

وخلال البرنامج، قدمت رؤية تربط بين التنمية الاقتصادية، وتحسين جودة الحياة، والابتكار، والبيئة، مع التأكيد أن الإنسان يبقى محور التطوير، وأن التكنولوجيا وسيلة لخدمته.

وانعكست هذه الفلسفة على القطاع الإعلامي الذي شهد تحولات متسارعة جعلت الصين من أكبر البيئات الرقمية، فيما ناقشت المحاضرات تحديات الحفاظ على ثقة الجمهور، وأهمية تنظيم المنصات الرقمية وتحقيق التوازن بين الابتكار وحماية المجتمع.

وخلال الزيارات الميدانية، اطلع المشاركون على روبوتات تصوير ذكية وتقنيات إنتاج افتراضي تعتمد على الواقع الممتد، بما يعكس حجم التحول الذي يشهده الإنتاج الإعلامي والسينمائي.

كما تناولت الدورة صعود المنصات الرقمية، باعتبارها أدوات أعادت تشكيل صناعة المحتوى والرأي العام، ومنحت الأفراد قدرة غير مسبوقة على سرد قصصهم، وغيرت طريقة متابعة الحروب والأزمات، بعدما أصبح الإنسان العادي قادرا على نقل تفاصيل حياته مباشرة إلى ملايين المتابعين.

وفي المقابل، ناقشت المحاضرات تأثير الخوارزميات في تشكيل ما يراه المستخدمون، وأهمية فهم الإعلاميين لآليات عملها، إلى جانب استعراض الألعاب الإلكترونية باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة والتبادل الثقافي.

ورغم هذا الزخم التقني، بقيت الرسالة الأهم أن التكنولوجيا لا تلغي دور الصحفي، بل تعزز حاجته إلى المهارة والمهنية.

و حول ما إذا كان الإعلام الرقمي سيحل محل الصحافة المكتوبة مستقبلا، أكد المتحدثون أن العلاقة بينهما تكاملية لا تنافسية، فالإعلام الرقمي يتفوق في سرعة الوصول والتفاعل، بينما تظل الصحافة المكتوبة المرجع في التحليل، والتحقق من المعلومات، وبناء الثقة مع الجمهور.

وشددت الدورة التدريبية في ختامها على رسالة مفادها أن مستقبل الإعلام لن تحدده التقنيات وحدها، بل قدرة الإعلاميين على توظيفها مع الحفاظ على جوهر المهنة، وأن التجربة الصينية لا تقدم نموذجا للتقليد، وإنما تدعو كل دولة إلى بناء نموذجها الإعلامي انطلاقا من ثقافتها واحتياجاتها.

الغد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى