«عَ المعبر»حين يتحول الانتظار على الحاجز إلى ذاكرة وطنية مفتوحة

فداء الحمزاوي
تصوير- علاء القداح
ضمن فعاليات مهرجان عشيات طقوس المسرحي في دورته التاسعة عشرة، المقامة في البتراء، حضرت المونودراما الفلسطينية «عَ المعبر» بوصفها عرضاً يضع الجغرافيا الفلسطينية في مواجهة الذاكرة الإنسانية، ويحوّل نقطة العبور إلى فضاء مسرحي تتقاطع فيه الحكاية الشخصية مع الوجع الجمعي.
بدأ العرض بشعر «أيها المارون»، قبل أن تدخل الممثلة لينا فاعور من جهة السيق، متلفتة كمن يبحث عن طريق لا يعرف إن كان سيقوده إلى الوصول أم إلى مزيد من الانتظار. تحمل صرة ملابس في يدها، وتدور حول المكان قبل أن تستقر خلف حاجز يحيط بخشبة المسرح كُتب عليه«معبر جنين»، ومنذ اللحظة الأولى، يضع العرض المتلقي أمام مفارقة قاسية، فالمعبر الذي يفترض أن يكون طريقاً للوصول، يتحول إلى مكان لتعطيل الحياة وتأجيل اللقاءات وتكثيف الفقد.
ومع انطلاق الموسيقى بإيقاعها المتسارع، تتقدم فاعور إلى مقدمة الخشبة، رافعة يديها في إشارة إلى الاستسلام أمام سلطة مجهولة تهددها، تقول، «عَ المعبر دقات قلبي مليون، إحساسي مخربط»، لتختصر في ارتباكها الداخلي حالة الفلسطيني الواقف أمام الحاجز، فرحٌ مؤجل بالوصول، وحزنٌ متراكم، وقهرٌ يتحول إلى غضب، وغضبٌ «بعد جبال».
لكن «عَ المعبر» لا تروي حكاية شخصية واحدة، بل تستدعي عشرات الأرواح من خلال جسد ممثلة واحدة، تتوجه إلى «أم منير» وتدعوها للعبور إلى يافا، قبل أن تكشف عن وجهها الآخر، نورا السالم، ابنة صبحي السالم، التي تنتظر تصريحاً لزيارة والدها في مستشفى بحيفا، بعدما حُرمت من رؤيته سنوات، وفي هذا الانتظار، يتسع المعبر ليصبح مستودعاً للقصص الفلسطينية، فكل عابر يحمل معه حكاية، وكل تصريح يخفي وراءه عائلة وذكرى وخوفاً وأملاً.
تنتقل فاعور إلى حكاية أبي أحمد، جار المخيم، الذي ينتظر ابنه المعتقل منذ أن كان في الحادية عشرة من عمره، في واحدة من أكثر لحظات العرض قسوة، حين يصطدم عالم الطفولة البسيطة بمنطق الاتهام والاعتقال، ثم تستحضر شخصية أبي إبراهيم، الذي يريد الوصول إلى ابنته بعد ولادتها، مستحضرة خارطة فلسطين من عكا إلى حيفا وشفا عمرو، وشجرة التين التي لا تصبح مجرد شجرة، بل صورة عن أرض يريد أصحابها أن يأكلوا من ثمرها ويطعموا منها الجميع.
ومن خلال شخصية أم جهاد، ينتقل العرض من انتظار العابرين إلى انتظار الغائبين، تغني فاعور بالأغنية الفلسطينية «بالهنا يا أم الهنا يا هنية»، قبل أن تتحول الأغنية تدريجياً إلى ذاكرة زوجة تنتظر عودة زوجها. يبدأ النهار، ثم تأتي الساعة الثالثة، فالرابعة، ثم الليل، بينما يبقى السؤال معلقاً أين ذهب؟ هل اعتُقل؟ هل اختُطف؟ هل سيعود؟
هنا ينجح العرض في تحويل الزمن من عنصر محايد إلى أداة قهر، فالساعة على المعبر ليست مجرد ساعة، وإنما قياس للخوف، وكل دقيقة إضافية تصبح احتمالاً جديداً للفقد، وعندما تقترب أم جهاد من الجسر وتسأل الجندي عن زوجها الذي ذهب إلى الداخل للعمل نجاراً ولم يعد، يصل الانتظار إلى نهايته الأكثر وحشية، تُقتل رمياً بالرصاص على المعبر. لا يأتي الموت بوصفه خاتمة فردية لحكاية امرأة، بل باعتباره تكثيفاً لمصير جماعي، فالمعبر الذي كان يفترض أن يكون طريقاً إلى الآخر يتحول إلى مكان للموت.
وفي انتقال آخر، تستحضر فاعور شخصية بائع الورد، في إشارة شديدة الدلالة إلى هشاشة الحياة في مواجهة الموت، وإلى أولئك الذين يحملون الجمال في أكثر الأماكن قسوة، وتتقاطع الحكاية مع أسماء الشهداء والأسرى، ومنهم الشهيد سعيد محسن والشهيد نضال أبو الهيجا، لتعود الذاكرة من جديد إلى الخيمة، وإلى الأصدقاء، وإلى أولئك الذين كان التعليم والحياة اليومية يحاولان أن يصنعا لهم مستقبلاً قبل أن يقطعه الاحتلال.





