مقالات اقتصادية

(رنوش) .. أحد المحالّ التجارية الشهيرة ..

حاتم الهرش

قبل أيام، أغلق محلّ تجاري شهير (رنوش) في جبل الحسين، كان يقدم العصائر وساندويشات الشاورما.

ارتبط رنوش بفترة ذهبية عندما كان “الحسين” سوقا تجارية شهيرة، خصوصا في عقدي التسعينات وبداية الألفية.

رأيت تفاعلا كبيرا مع الخبر، من كل محافظات الأردن، ربما أسهمت الإعلانات التجارية لـ”رنوش” على الشاشة المحلية قبل أكثر من عشرين عاما بذلك.

في واقع الأمر، نحن لا ندرك أن الأشياء تموت إلا عندما تموت فيزيائيا، لكننا لا ندرك الوفاة الاجتماعية للأشياء حتى وإن بدت حيّة.

لقد كنت أمرُّ خلال عقد مضى من شارع رنوش، كما يُسمّيه كل أهل المنطقة، وكنت ألحظُ أنه انتهى.

انتهى في ذاته، إذ لم يعد يحتفظ بمذاقه الذي كان عليه، وانتهى أيضا لأنه بلا زبائن مقارنة بما كان عليه سابقا.

ربما حاول خلال السنوات الماضية أن ينفخ في ذاته الروح، من خلال تجديد الديكورات. لكن لم يكن الأمر مجديا، وهو ما ينقلنا إلى مساحة أخرى من التفكير، إذ لم يكن إغلاقه ذاتيا، بقدر ما كان يتعلق بحقيقة موضوعية أخرى، وهي تغيّر الأنماط الاقتصادية في البلاد.

في الماضي، كانت كل منطقة ذات خصوصية اقتصادية، ففي المنطقة الفلانية مطعم أبو فلان، ودكان أبو فلان، ومخبز أبو فلان.

عولمة الرأسمالية الاقتصادية الآن تأتي على كل مظاهر النشاط الاقتصادي الفردي، لصالح سلاسل المحلات الشهيرة التي تذرع البلاد جيئة وذهابا! في ذات المنطقة، أي في جبل الحسين، أغلق في ذات الشارع خلال عامين مضيا محلات أخرى لا تقل شهرة عنه، “شاورما الباشا”، و”مطعم جواد”، الملاحظة الأساسية أن المحلات التي دُشّنت مكانهما، علامات تجارية لسلاسل مطاعم شهيرة في الأردن ككلّ. بمعنى، أن ثمة تحوّل في الأنماط الاقتصادية وانتقالٌ من “اقتصاد المحل” إلى “اقتصاد السلسلة”، وهو مؤشر على تعميم منطق السلسلة والفرنشايز والبراند في الحياة التجارية للمدينة، وهذا يُحيلنا إلى التفكير في توسّع وحشية الرأسمالية.

يُخبرني صديقي بأنه ما زال محافظا على شراء حاجياته “الشهرية” من دكان الحيّ، بدلا من شرائها من المولات التجارية كما يفعل الأكثرون. يستدرك قائلا، أعرف أنني أدفع أكثر لدكان الحيّ، وأنني لو اشتريت من المول لوفّرت على نفسي مبلغا ما، لكنني أعتقد أنني أشتري الأمن المجتمعي بهذا الفارق! فما يمكن أن أضعه في هذا الدكان يمكن أن يُحيي عائلة، ربما ستتشرّد ويتحول أبناؤها إلى لصوص لو أغلقت الدكان!

بالعودة، لا يبدو تفاعل الناس مع إغلاق “رنوش” تفاعلا لأجله فقط، بل هو تعبير أعمق عن ذاكرة اجتماعية قادرة على صناعة خصوصية زمانية ومكانية بمعنى ما! يرثي المرء لزمان مضى، ويحزن لأطلال أمكنة لا مكان واحد. يعلق المرء بالتاريخ، ويبقى متوجّساً من غّدٍ جديد. يأنسُ لقديمه، ويألف شخوصه وأحداثه. ليس هو إذن، مجرد تعبير عن تحوّل في النمط الاقتصادي، بقدر ما هو تحوّل في النمط الاجتماعي! كانت المحال التقليدية تحقق غايتين: غاية اقتصادية، وغاية اجتماعية. أما نمط اقتصاد السلسلة الحديثة، فإنه وإن كان يؤدي الوظيفة الاقتصادية بكفاءة أعلى، لكنه أقل قدرة على إنتاج ذلك النوع من الذاكرة المحلية للحيّ أو المنطقة، لأن وجودها غير متفرد، يمكنك أن تجد المطعم نفسه في ثلاثة أحياء أو ثلاث مدن، أو أكثر.

كان “رنوش” كما هو “جواد” و”الباشا” تعبيرا عن خصوصية المنطقة، وأمكنة لذاكرة الحيّ، ومستودعاً لذكريات أهله.

ثمة تفاعل ملحوظ لما يمكن أن يترتب على تحول اقتصاديات المدينة إذن. كان الاقتصاد في الماضي، يصعد من الشارع فالحارة فالحيّ فالمنطقة فالمدينة، وهو بذلك تدرجيّ، يصعد شيئا فشيئا، وهو إذ يكبر يجمع حوله تاريخ المكان والزمان، ويصنع واقعا اجتماعيا مليئا بالقصة والرواية و”حدوتة الجدّات” و”حكاوي القهاوي”، إنه شيء من الناس وإلى الناس. ولذلك كانت تتحوّل تلك الأمكنة إلى دوالّ عابرة للمكان، بما تحظى به من حمولة تعبق بالتاريخ.

قرأت تعليقا لصديقي يقول فيه: لم أدخل “رنوش” من زمن طويل، لكنني لا أعرف ماذا سأقول بعد الآن للزوّار الذين كانوا يستدلون إلى بيتي في “الحسين” باسمه، فبمجرد أن تقول لسائق التكسي “شارع رنوش” يُصبح المكان مُعرّفاً، والزمان علامة، ويصبح بالتبعة إنسان ذلك المكان علماً حاضرا، أي أن تلك الدوال تضيف إلى ذواتنا تعريفا نشعر بملاءته. ربما هذا ما يُفسّر التفاعل مع خبر الإغلاق، ثمة خوف بافتقاد هذه الملاءة، فقد يُنكر الإنسان نفسه إن تغيّر زمانه ومكانه.

أما ما هو أعمق، فيعبر عنه القول: “يا بني آدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب بعضك ذهب كلكّ!” فهذه الإغلاقات تنتهض في نفس المرء شاهدا على ذهاب بعضه، وانتقاض نفسه، وانقضاء بعض تاريخه، وانتقاص مكانه، ودوام التغيّر الذي لا يسلم منه حيّ إلا الحيّ -جلّ شأنه- وإنما هي شاهدٌ ينادي عليه: سبحان الدايم.

عمون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى