الرئيسيةمقالات اقتصادية

د. صدام المشاقبة يكتب: رؤية توكاييف لمستقبل كازاخستان .. طموح التنمية ودروس تستحق التأمل عربياً

بقلم: د. صدام المشاقبة
في خطابه الأخير حول حالة الأمة، الذي ألقاه في 28 أكتوبر 2026 تحت عنوان «أولويات كازاخستان الراهنة في دورة تاريخية جديدة»، وضع الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف مجموعة من الأولويات التي تعكس طموح بلاده للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية. وقد لفت انتباهي في هذا الخطاب أنه لم يركز على جانب واحد، بل تناول الاقتصاد والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والتعليم والصحة، في محاولة لربط هذه القطاعات برؤية أوسع لمستقبل البلاد.
وبالنسبة لي، فإن أهمية هذا الخطاب لا تكمن في المشروعات والأرقام التي تضمنها فحسب، بل في أنه يتيح لنا فرصة للتأمل في تجربة دولة أتابع تطورها منذ سنوات، وزرتها مرات عديدة، وشاهدت خلالها جوانب مختلفة من التحولات التي تشهدها.
أعلن توكاييف عن برنامج «البناء الشعبي»، الذي يستهدف تنفيذ مشروعات واسعة في مختلف مناطق كازاخستان، تشمل المرافق الصحية والتعليمية والرياضية والثقافية، إلى جانب الإسكان والطرق وشبكات المياه والغاز. كما تحدث عن تخصيص نحو 6.5 تريليون تنغي، أي ما يقارب 14.3 مليار دولار، حتى نهاية عام 2029، لتحديث البنية التحتية.
هذه أرقام كبيرة، لكن ما يهمني هنا هو ما يمكن أن تحققه هذه المشروعات على أرض الواقع: هل ستسهم في تحسين الخدمات التي يحصل عليها المواطن؟ وهل ستوفر فرص عمل جديدة وتدعم الشركات المحلية؟ في النهاية، هذا هو المعيار الأهم للحكم على أي خطة تنموية، بعيداً عن حجم الاستثمارات المعلن عنها.
وفي الجانب الاقتصادي، أشار الرئيس إلى توقعات باقتراب الناتج المحلي الإجمالي لكازاخستان من 400 مليار دولار خلال عام 2026، مع تجاوز مساهمة الصناعات التحويلية 14% من الناتج المحلي الإجمالي. كما أكد أهمية جذب الاستثمارات الخاصة، وتطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتنويع الاقتصاد، بدلاً من الاعتماد على الموارد الطبيعية وحدها.
وتوقف الخطاب كذلك عند ملفات الطاقة والنقل والذكاء الاصطناعي. فالحكومة تستهدف تحقيق فائض مستدام في الكهرباء بحلول عام 2029، فيما تتواصل خطط تطوير ممرات النقل التي تربط آسيا بأوروبا. أما في المجال الرقمي، فقد برزت الدعوة إلى توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الصناعة والزراعة والإدارة الحكومية.
أعتقد أن هذه الملفات تعكس إدراكاً لأهمية الاستعداد للتغيرات الاقتصادية العالمية، خصوصاً أن المنافسة بين الدول لم تعد مرتبطة بالموارد الطبيعية وحدها، بل أصبحت تعتمد أيضاً على التكنولوجيا، وجودة الإدارة، والقدرة على جذب الاستثمارات وتحويلها إلى إنتاج وفرص عمل.
لكن هناك جانباً آخر في التجربة الكازاخستانية يستحق الحديث عنه، وهو ما لاحظته خلال زياراتي المتكررة إلى البلاد.
فإلى جانب التطور العمراني والمرافق الحديثة، لفت انتباهي الاهتمام بالحفاظ على التراث والثقافة والهوية الوطنية. وما أراه مهماً في هذا الجانب هو محاولة الجمع بين التحديث والمحافظة على الخصوصية الثقافية، وهي معادلة ليست سهلة، خصوصاً في الدول التي تشهد تحولات اقتصادية وعمرانية متسارعة.
من وجهة نظري، لا ينبغي أن يكون التطور على حساب الذاكرة الثقافية، كما لا ينبغي أن تتحول المحافظة على التراث إلى عائق أمام التغيير. تستطيع الدولة أن تبني مدناً حديثة، وتستثمر في التكنولوجيا والصناعة، وفي الوقت نفسه تحافظ على تاريخها وفنونها وعاداتها وموروثها. لكن تحقيق هذا التوازن يحتاج إلى وعي وسياسات مستمرة، وليس مجرد شعارات.
وهذا تحديداً أحد الجوانب التي تجعلني أجد التجربة الكازاخستانية جديرة بالمتابعة. فالتنمية ليست مباني وطرقاً وأرقاماً اقتصادية فقط؛ إنها أيضاً الطريقة التي يحافظ بها المجتمع على هويته، وهو يتجه نحو المستقبل.
أما الرئيس توكاييف، فأرى أنه رئيس ناجح من الناحية الإدارية، ودبلوماسي نشط يعمل على تعزيز موقع بلاده وتوسيع علاقاتها الدولية. ويعكس خطابه اهتماماً واضحاً بتحديث مؤسسات الدولة، وتحسين بيئة الاستثمار، وربط التنمية الاقتصادية بالشراكات الخارجية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه التوجهات يبقى مرتبطاً بمدى تنفيذ الخطط المعلنة، والنتائج التي يشعر بها المواطنون في حياتهم اليومية.
وأعتقد أن لدينا في العالم العربي ما يدعونا إلى متابعة هذه التجربة والاستفادة منها. لا أقصد هنا نقل النموذج الكازاخستاني كما هو، فلكل دولة ظروفها ومواردها وطبيعة اقتصادها ومجتمعها، لكن يمكننا دراسة بعض السياسات التي تستحق الاهتمام، مثل تنويع مصادر الدخل، ودعم الصناعة المحلية، وتسهيل الاستثمار، وتطوير الإدارة الحكومية، والاستفادة من التكنولوجيا في تحسين الخدمات.
كما أن تجربة كازاخستان تفتح باباً للتفكير في أهمية الجمع بين التنمية الاقتصادية والمحافظة على التراث، وهي مسألة تستحق اهتماماً خاصاً في بلداننا العربية التي تمتلك تاريخاً ثقافياً غنياً، ويمكن أن تجعل منه جزءاً من مشروعها التنموي، لا مجرد ماضٍ تتذكره.
في تقديري، يقدم خطاب توكاييف لعام 2026 صورة عن الطموحات التي تسعى كازاخستان إلى تحقيقها في المرحلة المقبلة. وستبقى النتائج الفعلية هي الفيصل في تقييم هذه الخطط، لكن متابعة التجربة بحد ذاتها تتيح لنا فرصة للتعلم والمقارنة.
ومن خلال زياراتي إلى كازاخستان، أصبحت أكثر اهتماماً بهذا السؤال: كيف يمكن للدول أن تتطور بسرعة، وتبني اقتصاداً حديثاً، وتحسن حياة مواطنيها، دون أن تفقد هويتها؟ أعتقد أن البحث عن إجابة عملية لهذا السؤال يستحق اهتماماً عربياً أوسع، وأن التجارب الدولية، ومنها التجربة الكازاخستانية، يمكن أن تقدم لنا أفكاراً مفيدة إذا تعاملنا معها بواقعية، واخترنا منها ما يناسب احتياجاتنا وإمكاناتنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى