الاقتصاد الاردنيالرئيسية

نمو لافت في الإنفاق الرأسمالي الحكومي يعزز النشاط الاقتصادي

الرقم نيوز- منذ أعوام، ظل الإنفاق الجاري يبتلع الحصة الكبرى من الموازنة العامة، فيما كانت المشاريع الرأسمالية ترحل أو تتراجع تحت ضغط الأولويات والقيود المالية. إلا أن مطلع العام 2026 يحمل مؤشرا مختلفا؛ إذ تظهر بيانات المالية العامة ارتفاعا لافتا في الإنفاق الرأسمالي منذ الشهرين الأولين، في خطوة توحي بتحول مبكر في سلوك السياسة المالية نحو تحفيز النشاط الاقتصادي بدل الاكتفاء بإدارته.

ولا يقتصر هذا التحول على تبدل في الأرقام، بل يعكس تغييرا في فلسفة الإنفاق ذاتها؛ حيث يبدو أن الحكومة تدفع باتجاه توجيه مواردها نحو مشاريع وخدمات تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، بدل الاكتفاء بتغطية النفقات اليومية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام نهج مالي جديد يعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام أم مجرد تسريع مؤقت لالتزامات مؤجلة؟
واعتبر خبراء اقتصاديون أن ارتفاع حجم الإنفاق الرأسمالي خلال الشهرين الأولين من العام الحالي، يعكس مؤشرا واضحا على توجه حكومي مالي جيد يعتمد على تعزيز الاستثمار في المشاريع الرأسمالية الكبرى، والتحول نحو الإنفاق المنتج القادر على تحريك النشاط الاقتصادي.
وأوضح هؤلاء الخبراء أن هذا الارتفاع يكتسب أهمية خاصة كونه يرتبط مباشرة بزيادة وتيرة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، بما ينعكس على تسريع النمو في القطاعات المرتبطة بها، ولا سيما قطاعات المقاولات والبنية التحتية والنقل والطاقة والصحة والتعليم، الأمر الذي يخلق أثرا توسعيا على الاقتصاد الكلي.
وأكد هؤلاء، في تصريحات لـ”الغد”، أن الاستمرار بهذا الزخم في الإنفاق الرأسمالي من شأنه أن يعزز مؤشرات النمو الاقتصادي، ويدعم تدفق الاستثمارات، ويدفع باتجاه تحسن الأداء الاقتصادي الكلي خلال العام الحالي، عدا عن الارتقاء بالواقع التنموي والخدمي المحلي.
وأشار الخبراء إلى أن الإقرار المبكر للموازنة العامة مع نهاية العام الماضي مكن الحكومة من البدء بتنفيذ إنفاقها منذ الأيام الأولى من العام، وهو ما انعكس في تسارع واضح للإنفاق الرأسمالي، مقارنة بما كان يحدث في أعوام سابقة من تأخر في التنفيذ أو ترحيل للمخصصات.
وفي الوقت ذاته، يرى الخبراء أن الحكم على استدامة هذا الإنفاق يبقى مرهونا باستمرار هذا المسار خلال العام، وقدرته على تقليص الفجوة بين الإنفاق والإيرادات، وتحويل المشاريع إلى نتائج اقتصادية ملموسة على أرض الواقع، معربين عن خشيتهم من أن تؤثر التبعات الاقتصادية الكبيرة التي خلفتها الحرب التي شهدتها المنطقة مؤخرا على قدرة الحكومة على الالتزام بعكس كامل مخصصات بند النفقات الرأسمالية في الموازنة العامة للعام الحالي، في ظل الارتفاعات التي طرأت على أسعار الطاقة عالميا وكذلك الغذاء، ما قد يدفع الحكومة إلى ترحيل جزء من هذه النفقات إلى بنود أخرى.
%60  نمو الإنفاق الرأسمالي
في الشهرين الأولين من 2026
يشار إلى الإنفاق الرأسمالي سجل في نهاية شهر شباط (فبراير) 2026 حوالي 53.8 مليون دينار، أو ما نسبته 60.4 بالمائة، مقارنة مع الفترة ذاتها من 2025، الأمر الذي أسهم في رفع وتيرة النشاط الاقتصادي.
وبحسب نشرة وزارة المالية، بلغ الإنفاق الحكومي حتى نهاية شهر شباط (فبراير) 2026 حوالي 1986.8 مليون دينار، بواقع 1843.8 مليون دينار نفقات جارية، و143 مليون دينار نفقات رأسمالية.
وجاء الارتفاع في النفقات الرأسمالية جراء الإنفاق على عدد من المشاريع المهمة، منها مشروع تطوير حقل غاز الريشة، وتجهيز مستشفى معان العسكري، وتدريب وتطوير المعلمين، وتنمية وتطوير البلديات، ودعم مشاريع هيئة تنشيط السياحة.
توسع الإنفاق الرأسمالي يعكس تحولا في نهج المالية العامة
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن البيانات الأولية للمالية العامة تشير إلى توسع واضح في الإنفاق الرأسمالي، ما يعكس بداية توجه مالي جديد يعتمد بشكل أكبر على الاستثمار في المشاريع بدل الإنفاق الجاري.
وأضاف أن الإقرار المبكر للموازنة العامة مع نهاية العام الماضي مكن الحكومة من البدء بتنفيذ إنفاقها منذ الأيام الأولى من العام، وهو ما انعكس في تسارع واضح للإنفاق الرأسمالي، مقارنة بما كان يحدث في أعوام سابقة من تأخر في التنفيذ أو ترحيل للمخصصات.
وأوضح عايش أن هذا التوجه أتاح ضخ سيولة مباشرة في الاقتصاد، من خلال مشاريع، مثل تطوير حقل الريشة، ودعم البلديات، والسياحة، وغيرها من المشاريع الرأسمالية، الأمر الذي ينعكس على تنشيط قطاعات المقاولات والبنية التحتية والخدمات، ويخلق ما يعرف بالأثر المضاعف للإنفاق، حيث يولد كل دينار رأسمالي نشاطا اقتصاديا إضافيا في التوظيف والإنتاج والطلب.
وبين أن هذا النمط من الإنفاق يسهم أيضا في تحسين الخدمات والبنية التحتية على المديين المتوسط والطويل، ويعزز الإنتاجية الاقتصادية، كما يعكس تحولا تدريجيا في فلسفة الإنفاق العام من الطابع الاستهلاكي إلى الطابع الاستثماري المنتج.
وأكد أن نجاح هذا التوجه يعتمد على “جودة الإنفاق” وقدرة المشاريع المنفذة على تحقيق عوائد اقتصادية حقيقية، بحيث لا يتحول التوسع في الإنفاق إلى عبء مالي مستقبلي، بل إلى أداة لتحفيز النمو المستدام.
ويرى عايش أن ما يجري يمكن اعتباره بداية نهج مالي مختلف يقوم على تحفيز النمو عبر الاستثمار، إلا أن الحكم على استدامته يبقى مرهونا باستمرار هذا المسار خلال العام، وقدرته على تقليص الفجوة بين الإنفاق والإيرادات، وتحويل المشاريع إلى نتائج اقتصادية ملموسة على أرض الواقع.
التحول إلى الإنفاق المنتج
بدوره، قال الخبير الاقتصادي منير دية إن ارتفاع الإنفاق الرأسمالي بنحو 53.8 مليون دينار وبنسبة تقارب %60 حتى نهاية شباط (فبراير)، يعكس مؤشرا واضحا على توجه حكومي متزايد نحو تعزيز الاستثمار في المشاريع الرأسمالية الكبرى، والتحول نحو الإنفاق المنتج القادر على تحريك النشاط الاقتصادي.
وأضاف أن هذا الارتفاع يكتسب أهمية خاصة كونه يرتبط مباشرة بزيادة وتيرة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، بما ينعكس على تسريع النمو في القطاعات المرتبطة بها، ولا سيما قطاعات المقاولات والبنية التحتية والنقل والطاقة والصحة والتعليم، الأمر الذي يخلق أثرا توسعيا على الاقتصاد الكلي.
وأشار دية إلى أن زيادة الإنفاق الرأسمالي تعني عمليا ضخ سيولة في السوق، وتنشيط حركة العمل والإنتاج، ورفع نسب التشغيل في مختلف القطاعات، ما ينعكس إيجابا على النمو الاقتصادي وفرص الاستثمار، ويسهم في الحد من معدلات البطالة على المدى المتوسط.
وبين أن هذا الحراك يتزامن مع إطلاق عدد من المشاريع الكبرى، مثل مشروع الناقل الوطني للمياه، ومشاريع سكك الحديد، ومشروع غاز الريشة، إلى جانب مشاريع البنية التحتية المختلفة، ما يتطلب استمرارا في الإنفاق الرأسمالي لضمان التنفيذ ضمن الإطار الزمني المخطط له.
وأكد دية أن الاستمرار بهذا الزخم في الإنفاق الرأسمالي من شأنه أن يعزز مؤشرات النمو الاقتصادي، ويدعم تدفق الاستثمارات، ويدفع باتجاه تحسن الأداء الاقتصادي الكلي، مشددا على أن تحقيق نمو اقتصادي مستدام يتطلب توسيع الإنفاق الاستثماري المنتج، لا سيما في ظل ما تتضمنه رؤية التحديث الاقتصادي من مشاريع شراكة مع القطاع الخاص تتجاوز قيمتها مليارات الدنانير.
تحذير من التبعات الاقتصادية للحرب على استدامة الإنفاق الرأسمالي
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي مفلح عقل أن زيادة حجم الإنفاق الرأسمالي خلال الشهرين الأولين من العام الحالي رغم الظروف الجيوسياسية المحيطة بالاقتصاد الوطني، تدل على التزام الحكومة بالإيفاء في خطط الموازنة العامة، إضافة إلى الرغبة والجدية الحكومية في تنفيذ الرؤى والخطط التنموية والتشغيلية للاقتصاد المحلي.
ولفت عقل إلى أن التحول المبكر في الانفاق الرأسمالي للعام الحالي هو امتداد لالتزام الحكومة غير المسبوق في صرف النفقات الرأسمالية خلال العام الماضي التي وصلت إلى ما نسبته 96%، ما يعكس إدراكا حكوميا لأهمية وضرورة هذا الإنفاق في تنشيط الاقتصاد الوطني وتحسين مؤشراته بما يقود إلى التغلب على التحديات الاقتصادية، لا سيما البطالة.
وأشار عقل إلى أن أهمية زيادة حجم الإنفاق الرأسمالي خلال الشهرين الأولين من العام تكمن في أنه موجه نحو أهداف وقطاعات ذات أثر وقيمة مضافة اقتصاديا، إذ من المنتظر أن يكون لها مساهمة في الارتقاء بالواقع التنموي والخدمي، عطفا على زيادة معدلات النمو.

الغد – عبد الرحمن الخوالدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى