موسى حنّا البجالي … مدرسة في الوطنية والعطاء المستمر

كتب: ليث الفراية
ليس من السهل أن تكتب عن رجلٍ لا يقدّم نفسه بوصفه حكاية جاهزة، ولا يضع سيرته على الطاولة كشيءٍ مكتمل فبعض الأشخاص لا يُختصرون في تعريف، ولا تُحيط بهم الكلمات من أول محاولة، لأنهم ببساطة لا يعيشون على السطح ورجل الأعمال الأردني الأصيل موسى حنّا البجالي واحد من هؤلاء الذين يحتاجون إلى قراءة هادئة، إلى مسافةٍ كافية، وإلى إنصاتٍ حقيقي لما بين السطور، لا لما يُقال مباشرة فحضوره لا يأتي دفعة واحدة، بل يتشكّل تدريجيًا، كأنك تتعرّف إليه مع كل موقف، لا مع كل جملة.
فيه شيء من الرجال الذين تعلّموا أن الطريق لا يُختصر، وأن القيمة لا تُستعجل حيث لا يندفع ليُثبت، ولا يتأخر ليُرضي، بل يسير بإيقاعٍ يعرفه جيدًا، إيقاع لا تحكمه اللحظة بقدر ما تحكمه القناعة وهذا النوع من السير لا يبدو لافتًا في البداية، لكنه الأكثر رسوخًا على المدى الطويل فهو لا يراهن على الانطباع الأول، بل على الأثر الذي يبقى بعد أن يهدأ كل شيء لذلك، حين يُذكر، لا يُذكر كاسمٍ مرّ، بل كحضورٍ استقرّ في الذاكرة دون صخب.
وحين نقترب أكثر من تفاصيل مسيرته، يظهر وجهٌ آخر لهذا الحضور الهادئ؛ وجهٌ لا يبحث عن الألقاب بقدر ما يمنحها معناها فاختياره ليكون القنصل الفخري لجمهورية فيجي في الأردن لم يكن حدثًا عابرًا، بل محطة تعكس ثقة تُمنح لمن يمتلك القدرة على تمثيل الفكرة قبل الموقع وهذا الدور، الذي جاء بإرادة ملكية، لم يُضف إليه بقدر ما كشف عنه؛ عن تلك المساحة التي يقف فيها الرجل بين الداخل والخارج، حاملًا صورة وطنه بهدوء، ومؤمنًا بأن الدبلوماسية الحقيقية لا تُقاس بالكلمات، بل بما تتركه من أثرٍ في العلاقات، وفي الصورة التي تبقى بعد اللقاءات.
وفي امتدادٍ طبيعي لهذا المسار، لا يبدو حضوره في مجلس محافظة مادبا مجرد موقعٍ إداري، بل مساحة فعلٍ حقيقي، يحاول من خلالها أن يضع يده على تفاصيل المكان الذي يعرفه جيدًا وهناك، لا يتعامل مع المحافظة كعنوان، بل كحكاية تستحق أن تُروى بشكلٍ أفضل؛ من خلال أفكار تُطرح، ومبادرات تُدفع إلى الأمام، ورؤية تُحاول أن تفتح للمكان أبوابًا أوسع، خاصة في السياحة والتنمية المحلية فهو لا ينظر إلى مادبا كواقعٍ ثابت، بل كإمكانيةٍ مستمرة، تحتاج إلى من يؤمن بها، ويعمل بصبرٍ كي تُصبح كما يجب أن تكون.
وحين تنظر إلى مسيرته، لن تجد ذلك الاستعراض الذي اعتدناه في كثير من الحكايات، بل ستجد تراكمًا هادئًا، يشبه بناءً يتمّ حجرًا فوق حجر، دون عجلة، ودون رغبة في القفز على المراحل فهو من أولئك الذين يعرفون أن كل خطوة ناقصة ستُكلفهم لاحقًا، لذلك يختار أن يملأ الطريق بتفاصيله، لا أن يختصره وهذه القدرة على الصبر ليست ضعفًا كما قد يظن البعض، بل شكلٌ عميق من أشكال القوة التي لا تحتاج إلى إعلان.
في علاقته مع الناس، لا يقدّم نفسه كصاحب دورٍ أعلى، بل كجزء من المشهد، يفهمه ويتفاعل معه دون أن يلغيه حيث هناك تواضعٌ غير مُعلن في طريقته، ليس تواضع الكلمات، بل تواضع السلوك حيث يعرف متى يتقدّم، ومتى يترك المساحة لغيره، ومتى يكتفي بأن يكون حاضرًا دون أن يكون في الواجهة وهذه مهارة لا يمتلكها الكثير، لأن الظهور أسهل بكثير من الاتزان.
ولا يمكن قراءة هذه الحكاية دون التوقف عند الجذر الأول، عند الاسم الذي سبق هذا الامتداد ومهّد له الطريق؛ والده حنّا موسى البجالي، الذي لم يكن مجرد شخصية عابرة في ذاكرة مادبا، بل أحد أولئك الذين تركوا أثرهم في الناس قبل الأماكن وفي سيرته، يمتزج التعليم بالمسؤولية الاجتماعية، ويظهر ذلك النموذج الذي يرى في المعرفة رسالة، وفي المجتمع شريكًا لا متلقيًا فقط حيث لم يكن حضوره قائمًا على الظهور، بل على الفعل الذي يبقى، وعلى الأثر الذي يتوارثه الأبناء، لا كحكاية تُروى، بل كقيمة تُعاش ومن هذا الجذر تحديدًا، يمكن فهم كثيرٍ من ملامح موسى البجالي؛ كأن ما فيه ليس بدايةً منفصلة، بل استمرارٌ هادئ لذاك الامتداد العميق.
ومع كل ذلك، لا يمكن القول إنه رجل هادئ بالمعنى السطحي للكلمة، لأن خلف هذا الهدوء يقف وعيٌ حاد، وقدرة على قراءة المشهد بشكلٍ أعمق مما يبدو فهو لا يتعامل مع الواقع كما هو فقط، بل كما يمكن أن يكون، ولذلك تبدو قراراته أحيانًا وكأنها تأتي من مكانٍ أبعد من اللحظة حيث لا ينشغل بردود الفعل بقدر ما ينشغل بالفعل نفسه، ولا يُغريه التصفيق بقدر ما تعنيه النتيجة.
تتبدّل الوجوه دون أن تترك ما يدلّ عليها، وتُعاد صياغة الصور كأنها تُستهلك قبل أن تُفهم، فيما يختار موسى البجالي موقعًا مختلفًا، لا يقوم على ملاحقة المشهد، بل على قراءته من عمقه حيث لا يعنيه أن يكون حاضرًا في كل تفصيل، بقدر ما يعنيه أن يكون حضوره حين يأتي كاملًا، غير قابل للتشظّي أو التكرار حيث لا ينجذب إلى الإيقاع السريع، ولا يصطدم به، بل يمرّ بمحاذاته بوعيٍ يتيح له أن يرى ما يتجاوز اللحظة، وأن يميّز بين ما يلمع سريعًا وما يرسخ بهدوء.
قد لا يكون من أولئك الذين تُسلّط عليهم الأضواء باستمرار، لكنه من أولئك الذين تُبنى عليهم المساحات بثقة حيث لا يطلب الاعتراف، لكنه يستحقه فهو لا يبحث عن التقدير، لكنه يحصده بطريقةٍ طبيعية، كأن ما يقدّمه يجد طريقه وحده إلى الآخرين دون وساطة.
موسى حنّا البجالي ليس مجرد سيرة تُكتب، بل تجربة تُعاش في تفاصيلها، وتُفهم مع الوقت فهو من النوع الذي لا ينتهي عند قراءة، ولا يُختصر في نص، بل يظل مفتوحًا على معنى أكبر معنى يُشبه الثبات في زمنٍ متحرّك، ويُشبه العمق في عالمٍ يكتفي غالبًا بالسطح.




