مقالات اقتصادية
موسى الساكت يكتب : “ارتفاع كلف المشاريع الكبرى: قراءة في التجربة” ..

لا يختلف اثنان على أهمية المشاريع الاستراتيجية الكبرى في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز البنية التحتية، خصوصًا في دولة مثل الأردن التي تعاني من تحديات مائية وطاقوية مزمنة. إلا أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ هذه المشاريع، بل في كيفية تصميمها وتمويلها وتنفيذها، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول ارتفاع كلفها بشكل لافت.
في الآونة الأخيرة، برزت ملاحظات جوهرية حول مشروع “الناقل الوطني”، حيث أظهرت التصريحات الرسمية تضاربًا واضحًا في تقدير الكلفة. فبعد الحديث عن عروض تتراوح بين 2.5 إلى 3 مليارات دولار، انتهى الأمر بتوقيع اتفاقية بقيمة تقارب 5.8 مليار دولار، أي ما يقارب الضعف. هذا الارتفاع الكبير خلال فترة زمنية قصيرة يطرح تساؤلات حول منهجية التقييم، ودرجة المنافسة، ومدى كفاءة التفاوض.
الأمر لا يتوقف عند الكلفة فقط، بل يمتد إلى نموذج التمويل. ففي حين أن الممارسات العالمية المعتادة تقوم على أن يتحمل المستثمر كامل كلفة المشروع مقابل حق التشغيل لفترة محددة، نجد أن النموذج المطروح يعتمد بشكل كبير على التمويل المحلي، سواء عبر المنح الدولية أو مساهمة مؤسسات وطنية مثل الضمان الاجتماعي، إضافة إلى دور البنوك الأردنية، مع وجود ضمانات حكومية على القروض. هذا النموذج ينقل جزءًا كبيرًا من المخاطر إلى الاقتصاد المحلي بدلًا من توزيعها على المستثمر.
هذه الملاحظات تعيد إلى الأذهان تجربة مشروع العطارات، الذي يُعد مثالًا واضحًا على تحديات إدارة المشاريع الكبرى. فرغم أهمية المشروع في تنويع مصادر الطاقة، إلا أن كلفته المرتفعة وشروط اتفاقياته، خصوصًا فيما يتعلق بأسعار شراء الكهرباء، شكلت عبئًا ماليًا طويل الأمد. وقد أظهرت التجربة أن غياب التوازن في توزيع المخاطر والعوائد يؤدي إلى نتائج غير مستدامة على الاقتصاد الوطني.
كما أن المبالغة في الترويج لبعض المشاريع بوصفها “الأكبر” أو “الأضخم” عالميًا لا يخدم النقاش الموضوعي، بل قد يشتت الانتباه عن القضايا الجوهرية مثل الكلفة الحقيقية، وكفاءة التشغيل، والعائد الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فإن ضعف إشراك القطاع الخاص المحلي في هذه المشاريع يمثل فرصة ضائعة لتعظيم الفائدة الاقتصادية الداخلية.
إن المطلوب اليوم ليس رفض المشاريع الكبرى، بل إعادة النظر في آليات طرحها وتقييمها، وتعزيز الشفافية والمساءلة في جميع مراحلها. فالأردن بحاجة إلى مشاريع استراتيجية، لكنه بحاجة أكثر إلى إدارة رشيدة تضمن تحقيق أعلى قيمة ممكنة بأقل كلفة، وتوزيع عادل للمخاطر، بما يحمي المال العام ويعزز الثقة في القرارات الاقتصادية
الغد




