مقالات اقتصادية

عطا المشايخ يكتب: عن الوزير المومني والمؤثرين المومني مُحق… والمؤثرون واقع لا يمكن تجاهله.

 

قد لا يُعجب هذا الكلام كثيرين، لكنه الحقيقة التي فرضها عصرٌ جديد لا ينتظر المترددين.

لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه المعلومة تسير بخطوات بطيئة، تبدأ من غرفة الأخبار وتنتهي عند القارئ بعد ساعات أو أيام. نحن اليوم أمام واقع مختلف؛ واقع تُصنع فيه السرديات بسرعة الضوء، وتُخاض فيه معارك التأثير بضغطة زر.

في هذا العالم الرقمي المتسارع، لم يعد المؤثر مجرد وجه ترفيهي أو شخص يبحث عن المشاهدات. بعضهم أصبح منصة إعلامية قائمة بذاتها، يمتلك جمهورًا واسعًا، ويصل إلى الناس بلغة بسيطة، مباشرة، وقريبة من نبض الشارع.

دعونا نواجه الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن نراها:

صحفي محترف قد يُمضي أيامًا في إعداد تحقيق متكامل، يُدقّق المعلومة ويُراجع المصادر ويكتب بمهنية عالية، ثم لا يصل محتواه إلا إلى عدد محدود من القرّاء. وفي المقابل، قد يصل مقطع قصير لا يتجاوز ثلاثين ثانية إلى مئات الآلاف خلال ساعات، فيفتح نقاشًا عامًا، أو يسلّط الضوء على قضية، أو يوجّه اهتمام الناس نحو ملف معين.

هل هذا عادل؟ ربما لا.
هل هذا هو الواقع؟ نعم، بكل وضوح.

لكن، وحتى نكون منصفين، فليس كل من امتلك هاتفًا أصبح مؤثرًا حقيقيًا، وليس كل من حصد المشاهدات يستحق الثقة. فكما في الإعلام التقليدي، هناك المهني المسؤول، وهناك من يطارد الإثارة ولو على حساب الحقيقة، وهناك من يحوّل المنصات إلى ساحات للضجيج والمبالغة.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليست في وجود المؤثرين، بل في غياب التنظيم، وضعف الاستثمار الواعي في أصحاب المحتوى المسؤول. فعندما تُترك الساحة بلا معايير، تتقدّم الأصوات الأعلى لا الأصوات الأصدق، وتجد الإشاعة طريقها أسرع من الحقيقة.

وحين تتعامل المؤسسات الرسمية بعقلية الإنكار أو التجاهل، فإنها تخسر مساحة التأثير لصالح روايات غير دقيقة، وربما مضللة. فالعالم الرقمي لا يعترف بالفراغ؛ إن غاب الصوت المسؤول، حضر البديل، مهما كانت جودته.

الرهان اليوم ليس على محاربة المؤثرين أو شيطنتهم، بل على فهم هذا الواقع والتعامل معه بذكاء: احتواء، تأهيل، شراكات واعية، واستثمار في أصحاب المحتوى الجاد ليكونوا جزءًا من مواجهة الإشاعة وتعزيز الوعي العام.

المؤثرون لم يهبطوا علينا من السماء… نحن من صنعناهم، حين منحناهم المشاهدة، والثقة، والانتباه.

أما الذين يعتقدون أن تجاهل الإعلام الرقمي سيعيد الزمن إلى الوراء، فهم كمن يقف أمام موج البحر ويطلب منه التراجع.

الإعلام الرقمي لا ينتظر أحدًا؛ إمّا أن تفهم قواعده، أو تجد نفسك خارج التأثير، تراقب المشهد من بعيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى