الرئيسية

هاني الدباس يكتب : ملف لا يحتمل التجربة

 

بقلم: هاني الدباس

في كثير من الملفات، لا يدور السؤال حول من يتولى ، بل حول من يستحق ، والضمان الاجتماعي، بكل ما يمثله من عقد ثقة طويل الأمد بين الدولة والمواطن، يأتي في مقدمة هذه الملفات ، حيث لا مكان للحلول الوسط ولا للمجاملات او “شوفة الخاطر” .
في هكذا موقع ، لا يكفي أن يكون المسؤول قادرًا على الإدارة، بل عليه أن يكون قادرًا على الفهم العميق، وعلى قراءة ما بين الأرقام والسطور ، وعلى قراءة أثر القرار قبل صدوره.
أثبتت التجارب العديدة أن هذا الملف لا يُدار كما ينبغي ممن يهبطون عليه من خارج المنظومة ، مهما توافرت مواهب الادارة ومهارات التعامل المكتبي وأدوات القيادة الادارية العامة.
ملف فني مدجج بالتفاصيل الفنية بل هو عالمٌ له لغته الخاصة، وتشابكاته الدقيقة، وتوازناته الحساسة التي لا يمكنادراكها إلا لمن عايشها يومًا بيوم من الداخل .
من يعرف كيف تُبنى السياسات داخله، وكيف تُدار أزماته، وكيف تُتخذ قراراته تحت ضغط التوقعات، والمستجدات والظروف والأنواء يختلف جذريًا عمن يطالعها من خلف المكاتب.
ما هو أعمق من ذلك، أن هناك نماذج قيادية نادرة جمعت بين موقعين لا يجتمعان كثيرًا في شخص واحد: خبرة ميدانية مباشرة في إدارة الضمان الاجتماعي، وتجربة وزارية في الإشراف على سوق العمل وتشريعاته.
هذا النوع من المسارات لا يصنع سيرة مهنية فحسب، بل يصنع رؤية متكاملة، ترى مسيرة الموظف قبل أن ان ينتقل إلى ملف التقاعد ، وتفهم دورة الحماية الاجتماعية بتكامليتها لا بشعارات لا تؤدي إلا إلى ما رأيناه وما آلت اليه الأمور اليوم .
حين يقود هذا الملف شخص خبر المؤسستين معًا، فإنه لا يحتاج إلى وقت لاكتشاف التعقيدات ولا يقع في فخ الحلول السطحية و”الترقيع”.. فهو بخبرة الداخل يعرف أين تبدأ الإصلاحات الحقيقية، وأين تكمن المخاطر المؤجلة، وكيف يمكن اتخاذ القرارات الصعبة دون أن تهتز الثقة العامة.
الأهم ، أنه يدرك أن التشخيص العلمي لا يتقاطع مع مصلحة المنظومة برمتها ، ولا يتعارض مع العدالة، وأن الاستدامة المالية لا يجب أن تأتي على حساب الكرامة الإنسانية.
مثل هذا النموذج الإداري لا يُقَدَم بوصفه خيارًا بين خيارات، بل هو بالضرورة استجابة طبيعية لحجم التحدي.
فحين تتوفر الخبرة العميقة في ملف الضمان العملاق ، إلى جانب التجربة الوزارية في العمل، يصبح من المنطقي ومن الضروري ان تتجه البوصلة نحو هذا النوع من القيادات، يفرضها المنطق والخبرة الفنية العميقة ال ( know how ) لا الظروف والمخاوف وهواجس المستقبل .

لمن يقرأ ما بين السطور فالمرحلة تتطلب اليوم من عُجن بتفاصيل الداخل وتعقيداته وفتياته ، وقاد المشهد من اعلى المنظومة حيث لا ترف في الوقت والتعرف على الملفات والتجريب ، منطلقاً من ذاكرةٍ مؤسسيةٍ وخبرةٍ تنفيذية قادرتين على التصدي لهذا العبئ بثقة ومعرفة .
الضمان الاجتماعي ليس ساحة للتجريب، بل مساحة للثقة ، والثقة كما تُبنى ببطء، يمكن أن تتآكل بسرعة إن كانت في غير موضعها.
الحكمة تقتضي الان وقبل العشر دقائق القادمة أن يتسلم هذا الملف من أثبت في موقعين مختلفين أنه قادر على أن يقوده، لا أن يتعلمه ويجرب فيه وفي منظومة متكاملة تطالُ مستقبل كل الأردنيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى