مقالات اقتصادية

الهناندة يكتب :من الهشاشة الرقمية إلى السيادة التكنولوجية: هل نبني أنظمة لا تُهزم؟

 * الأستاذ الدكتور فراس الهناندة

بعد أن طرحنا سابقًا سؤالين متتاليين عن انقطاع الإنترنت وعودته دون تغيير جوهري في سلوكنا الرقمي، يصبح السؤال اليوم أكثر عمقًا: هل المشكلة في الانقطاع نفسه، أم في طبيعة الأنظمة التي بنيناها حوله؟

لقد كشفت التجارب الحديثة، سواء على المستوى العالمي أو المحلي، أن البنية الرقمية المعاصرة، رغم ما وصلت إليه من تطور هائل، لا تزال تحمل درجة من الهشاشة البنيوية. فالمشكلة لم تعد في ضعف التكنولوجيا، بل في الإفراط في الاعتماد على نموذج واحد للاتصال، وكأن العالم الرقمي صُمم على افتراض واحد: أن الإنترنت يجب أن يبقى متاحًا دائمًا ودون انقطاع.

في الواقع، لم يعد الإنترنت مجرد أداة للتواصل، بل أصبح العمود الفقري للاقتصاد، والتعليم، والصحة، والإدارة، والخدمات العامة. هذا التحول الكبير، رغم إيجابياته الواسعة، أوجد نقطة ضعف استراتيجية غير مرئية تتمثل في المركزية المفرطة ضمن منظومات يُفترض أنها لامركزية بطبيعتها.

وعليه، لم يعد السؤال المطروح: ماذا لو انقطع الإنترنت؟ ولا حتى: ماذا لو عاد دون أن نتعلم من التجربة؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل يمكن بناء منظومة رقمية قادرة على الاستمرار حتى في غياب الاتصال الدائم؟

من هنا، تبرز الحاجة إلى مفهوم “السيادة التكنولوجية المرنة”، وهو مفهوم يقوم على أن الدول والمؤسسات لا ينبغي أن تكون مجرد مستهلك للتكنولوجيا، بل طرفًا فاعلًا في تصميم بنيتها الأساسية، بما يضمن استمرارية الأنظمة في مختلف الظروف والتحديات.

وفي هذا السياق، يمكن إعادة صياغة مستقبل الأنظمة الرقمية عبر ثلاثة مسارات استراتيجية مترابطة:

أولًا: الانتقال من المركزية إلى التوزيع الذكي
النماذج المركزية التقليدية أصبحت غير قادرة على إدارة بيئات رقمية شديدة التعقيد والتغير. لذلك يجب أن يتجه العالم اليوم نحو أنظمة موزعة تقلل الاعتماد على نقطة فشل واحدة، وتسمح باستمرار العمل حتى في حال تعطل أجزاء من الشبكة.

وينعكس هذا التحول بشكل مباشر على القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم العالي، حيث يمكن تصميم بنى رقمية متعددة المستويات تضمن استمرارية العملية التعليمية سواء عبر الاتصال أو دونه، دون الإخلال بجودة المخرجات.

ثانيًا: بناء أنظمة هجينة كمعيار أساسي
أن الفصل بين “رقمي” و“تقليدي يجب أن يكون ” فصلًا واقعيًا أو عمليًا. فالمؤسسات الأكثر قدرة على الصمود هي تلك التي تمزج بين العالمين ضمن منظومة واحدة مرنة.

في قطاع التعليم، على سبيل المثال، ينبغي أن يُصمم المحتوى الرقمي منذ البداية ليكون قابلًا للاستخدام في بيئة متصلة أو غير متصلة، وأن تكون العمليات التعليمية قابلة للتحول السلس بين النمطين دون فقدان الجودة أو التأثير.

هذا النموذج الهجين لا يعزز الاستمرارية فقط، بل يسهم في رفع كفاءة العملية التعليمية من خلال تنويع أدوات التعلم وتقليل الاعتماد على وسيط واحد.

ثالثًا: الذكاء الاصطناعي كطبقة استمرارية
في الجيل القادم من الأنظمة الرقمية، سيتحوّل الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة مساعدة تعتمد على الاتصال المستمر بالإنترنت إلى طبقة تشغيل أساسية مدمجة داخل البنية الرقمية نفسها. ويعني ذلك أن هذه الأنظمة لن تحتاج دائمًا إلى التواصل مع خوادم خارجية لمعالجة البيانات أو اتخاذ القرارات، بل ستتمكن من العمل بشكل محلي ومستقل داخل الأجهزة أو المؤسسات عبر تقنيات الحوسبة الطرفية (Edge AI).

هذا التحول يجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من البنية التحتية التشغيلية، بما يتيح استمرار الخدمات الحيوية مثل التعليم والصحة والإدارة حتى في حال انقطاع الاتصال بالشبكات الخارجية، ويعزز في الوقت نفسه من سرعة الاستجابة ومرونة الأداء.

إن المطلوب اليوم ليس فقط تعزيز الاتصال، بل بناء القدرة على الاستمرار في غيابه.

وفي السياق الأردني، فإن مسار التحول الرقمي يشكل فرصة استراتيجية لإعادة تصميم البنية التحتية الرقمية وفق أسس أكثر مرونة واستدامة. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس فقط بسرعة الاتصال، بل بقدرة النظام بأكمله على الصمود والعمل تحت مختلف الظروف.

ومن منظور قيادي، فإن التحدي الأهم أمام المؤسسات والجامعات لا يتمثل في مواكبة التكنولوجيا فحسب، بل في إعادة تعريف العلاقة معها؛ من علاقة استخدام إلى علاقة تصميم وبناء وتطوير مستمر.

ختامًا، يقف العالم اليوم أمام مفترق حاسم في مسار تطوره الرقمي:
إما الاستمرار في بناء أنظمة تفترض الاستقرار الدائم، أو التوجه نحو أنظمة تُصمم أصلًا للتعامل مع اللايقين والتغير.

فالمستقبل لن يكون للأكثر اتصالًا، بل للأكثر قدرة على الاستمرار.
وعندها فقط، نكون قد انتقلنا من عالم يعتمد على الإنترنت… إلى عالم يمتلك أدواته الرقمية ويضمن استمراريتها في كل الظروف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى