منشورٌ مفتوح… وتعليقاتٌ مُغلقة

بقلم : جهاد مساعدة
في هذا الزمن، لم تعد العصافير تغرّد… بل تنعق خلف أبوابٍ مؤصدة في بلادٍ بعيدة عن الوطن.
لم تعد الكلمة جناحًا، بل قفلًا، ولم يعد الصوت صدى، بل ارتدادًا خائفًا في غرفةٍ مغلقة.
العصفورة لم تكتفِ بالهمس، بل احترفت الكذب. تكتب منشورًا، ثم تُحكم إغلاقه، وتقف خلفه كحارسٍ خائف، تُعامل الحقيقة كجريمة، لا كحقٍّ يُقال.
“تم تقييد من يمكنه التعليق.”
ليست جملة تقنية، بل اعترافٌ مكتوب بخطٍ واضح: أن الكلمة تخاف، وأن المنشور أضعف من سؤال، وأن الحقيقة، لو دخلت، لن تخرج كما كانت.
هي لا تكتب لتُناقش، بل لتنجو. ولا تنشر لتُفهم، بل لتُفلت. تفتح النص وتغلق المعنى، وتترك القارئ أمام كلماتٍ تتنفس كذبًا وتموت إذا اقترب منها السؤال.
كل منشور عندها غرفةُ عزلٍ لغوي؛ جدرانها خوف، وسقفها ادّعاء، وأرضها تناقض يتكاثر كلما مشت عليه. مساحة ضيقة لا تحتمل فكرة، ولا تسمح لصوتٍ أن يبقى.
تريد جمهورًا بلا ألسنة، وقراءً بلا عقول، وتصفيقًا بلا صوت. وحين تضيق بها الفكرة، لا تعتذر، بل تضغط زر “تقييد التعليقات”. زرٌّ صغير، لكنه يكفي ليكشف عُري منشورٍ كامل.
العصفورة لا تخاف الشتيمة، بل ترتعب من السؤال؛ سؤالٌ دقيق كإبرة، يثقب منشورها، فينسحب منه الهواء، ويتركه مسطّحًا ككذبةٍ مكشوفة.
ولهذا، كلما كتبت أغلقت، وكلما صرخت قيّدت، وكلما ادّعت هربت. هي لا تدير صفحة، بل تُدير خوفًا يتكاثر، وصمتًا مُصطنعًا تُسمّيه إدارة السراب.
وما إن تلامس التفكير، حتى تنقضّ عليها خلايا سرطانية في اللغة؛ تلتهم المعنى، وتحوّل الفكرة إلى ورمٍ من الاتهامات، فيتحوّل الكلام من أداة بيان إلى عبءٍ يفضح صاحبه.
لهذا تُغلَق التعليقات؛ لا لأن الأصوات غائبة، بل لأن الحقيقة، لو نطقت، لأسدلت الستارة على مسرحية الحندئة… وأُعلِن انتهاء العرض.




