مقالات اقتصادية

جهاد مساعدة يكتب : تطريز على الفيس بوك!

بقلم: جهاد مساعدة
في الماضي كانت الجدّات يتعلّمن التطريز لقتل الوقت.
أما اليوم، فهناك من يقتل الوقت… والأخبار… والحقيقة أيضًا.
كل صباح تُفتح ورشة كبيرة على الفيس بوك.
إبرة من جيبٍ مثقوب، وخيطٌ من إشاعة، وقليلٌ من الغضب، ثم يبدأ نسج الأخبار كما تُنسج الجوارب في المصانع، قطعةً بعد أخرى.
ليس تطريزًا على ثوبٍ أبيض، ولا على وسادةٍ في مساءٍ هادئ؛ بل تطريزٌ على الهواء مباشرة.
خيطٌ من إشاعةٍ طازجة،
وخيطٌ من غضبٍ فائضٍ لا يعرف ما يفعله سوى الثرثرة،
وخيطٌ ثالث من خيالٍ متعب،
ثم تُخاط الحكاية بسرعةٍ مذهلة حتى تبدو خبرًا حقيقيًا، قبل أن تكتشف أنها مجرد منشورٍ مكتوبٍ على لفةِ ورقٍ صحيٍّ مستعملة.
كل ثانيةٍ منشور.
كل دقيقةٍ خبرٌ عاجل.
كل ساعةٍ قصةٌ تُولد على الفيس بوك، وتموت فور أن يسأل أحدهم السؤال البسيط: أين الحقيقة؟
والأطرف أن الخيوط لم تعد محلية.
إنها خيوطٌ مسافرة هذه الأيام.
خيطٌ يأتي من جورجيا مرتجفًا من البرد،
وخيطٌ يمرّ عبر تركيا محمّلًا بالثرثرة،
وخيطٌ يتدلّى من روسيا مثقلًا بالفودكا،
ثم تُخاط منها حكايةٌ سريعة، تُرفع على الفيس بوك بعنوان: خبر عاجل.
ولو كانت الصحافة تُقاس بعدد الكلمات على الفيس بوك، لكان أصحاب الألسنة الطويلة عمالقةَ الإعلام، ولكانت لوحة المفاتيح أكبرَ جامعةٍ صحفيةٍ في التاريخ.
لكن المصيبة أنها تظنّ المنشورات سباقًا في الثرثرة، ومهرجانًا للأوهام، ومعرضًا دوليًا للتطريز تمتد خيوطه بين جورجيا وتركيا وروسيا.
لكن المسألة ليست مجرد ثرثرة.
فالنقد الحقيقي يشبه الطبيب؛ قد يجرح قليلًا، لكنه يريد الشفاء.
أما هذا الكلام فليس إلا غبارًا عالقًا في الهواء؛ يملأ المكان جعجعةً ولا يخلّف وراءه حقيقة.
فالواضح أن الهدف من هذا السيل من المنشورات ليس الإصلاح، بل الإساءة إلى الوطن؛ ليس البحث عن الحقيقة، بل البحث عن الشهرة.
ولهذا يهمس العصفور في زاوية المشهد:
من يمدّ هذه الإبرة بكل هذه الخيوط؟
ومن يدفع فاتورة هذا القماش الطويل من الكلام؟
فالصحافة ليست منشورًا يُكتب في لحظة غضب، ولا تعليقًا يُرمى في الهواء طلبًا لإعجابٍ عابر.
الصحافة عينٌ ترى قبل أن تكتب، وعقلٌ يزن قبل أن ينشر، وضميرٌ يخشى الكلمة قبل أن يضغط زر الإرسال.
أما حين تتحول الكلمة إلى إبرة، والانحطاط الأخلاقي إلى قماشٍ مُرقَّع، والوهم إلى مهنة، فاعلم أننا لسنا أمام صحافة.
نحن أمام عجوزٍ شمطاء في ورشة تطريزٍ مفتوحة على الفيس بوك، تخيط الأكاذيب وتعرضها للناس على أنها أخبار عاجلة.
وفي النهاية، حين يهدأ هذا النسيج المرتبك من الكلام، لا يبقى في يد القارئ سوى خيطٍ مقطوع، وكذبةٍ مهلهلة، وحقيقةٍ تقف بعيدًا تنظر إلى المشهد… ثم تضحك.
فبعض التطريز زينة، أما هذا النوع فليس إلا ثوبًا واسعًا من المنشورات لا يستر عورة صاحبه، بل يُعرض على الناس على أنه ثوب فضيلة.
وفي نهاية الحكاية، لا يبقى سوى ورشة تطريزٍ مفتوحة على الفيس بوك…
وفي وسطها عجوزٌ شمطاء ما زالت تخيط الحكايات.
أليس كذلك يا حندقة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى