الشهيد والبطل

عاطف أبو حجر
ثمة مواقف تعجز الكلمات عن احتوائها، تختلط فيها دموع الفقد بمشاعر الفخر، ويقف القلب عاجزاً بين شهيدٍ ارتقى وهو يؤدي واجبه، وبطلٍ اندفع نحو الخطر ليحمي أرواح الآخرين. هكذا كانت حكاية العريف جواد السلايطة والملازم فراس العنانزة؛ حكاية تختصر معنى التضحية، وتكشف أن للأردن رجالاً يكتبون مواقفهم بالدم والشجاعة.
في هذه الحادثة، امتزج وجع الفقد بفخر البطولة؛ جواد قدّم روحه فداءً للوطن، وفراس خاطر بحياته لإنقاذ الآخرين، في مشهد يؤكد أن حماية الناس مسؤولية يحملها رجال لا يترددون أمام الخطر.
كتبت إحدى النشميات أنها مرّت، قبل الحادثة بدقائق، على الشهيد جواد، بحكم سكنها في المنطقة، ولم تكن تعرفه من قبل. ألقت عليه السلام، وكان قد فرغ للتو من الوضوء استعداداً لصلاة الظهر، وآثار الماء الطاهر ما تزال على وجهه ويديه وأطراف شعره، وبندقيته على ظهره، وبوريته تميل إلى منتصف رأسه.
يا الله، كم هي موجعة تلك التفاصيل التي لم تكن تعلم أنها ستكون آخر مشاهد يومه! إنسان مرّ بنا، وألقى السلام، ومضى إلى واجبه، دون أن يعلم أن موعده مع السماء قد اقترب.
كان جواد يؤدي واجبه، يحرس المكان ويحمي الناس، وربما كان يفكر في العودة إلى منزله والجلوس بين أهله، لكنه ارتقى شهيداً، تاركاً وراءه حكاية وفاء وتضحية ستبقى في ذاكرة الأردنيين.
فخلف كل رجل أمن يقف في موقعه إنسان له أم وأب وأهل وأحلام وبيت ينتظره، وهذه الحقيقة تجعل رحيلهم وجعاً يتجاوز الخبر والصورة إلى قلوب كل الأردنيين.
وفي المقابل، كان مشهد الملازم فراس العنانزة وهو يندفع نحو مصدر الخطر، متقدماً لمواجهة المعتدي، صورة تختصر معنى البطولة.
لم يتردد أمام الخطر، ولم يجعل سلامته الشخصية أولوية؛ بل بادر بشجاعة، واضعاً حياة الآخرين قبل حياته.
لقد جسّد فراس صورة الضابط الأردني الذي يحمل معنى البزة العسكرية في قلبه وسلوكه، ويعرف أن شرف الخدمة ليس رتبة على الكتف، بل موقف يُختبر عند الشدائد.
شكراً لك يا فراس على شجاعتك وموقفك النبيل. نسأل الله أن يمنّ عليك بالشفاء العاجل، ويحفظك لأهلك ووطنك، وأن تعود سالماً معافى إلى رفاقك.
جواد ارتقى شهيداً، وفراس أُصيب وهو يؤدي واجبه؛ وكلاهما قدّم صورة صادقة لمعنى الانتماء، فالأوطان لا يحميها الكلام، بل رجال يسهرون حين ننام، ويتقدمون حين يحدق الخطر بالآخرين.
إن ما حدث يجب أن يكون مناسبة للتأمل في قيمة مؤسساتنا الأمنية، وحجم المسؤولية التي يتحملها أبناؤها، وضرورة مساندتهم والالتفاف حولهم.
والأردن اليوم بحاجة إلى تماسك أبنائه ووحدة صفهم، والابتعاد عن الشائعات والفرقة، وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة، والاعتزاز بجيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، والالتفاف حول قيادتنا الهاشمية.
يا جواد، لم تكن قطرات دمك إلا وسام عزّ على جبين الأردن، ولم يكن رحيلك نهاية حكايتك، بل بداية خلود اسمك في ذاكرة وطن لا ينسى أبناءه.
وستبقى بوريتك وبدلتك العسكرية شاهدتين على شرف الواجب، وسيظل اسمك حاضراً كلما ذُكرت تضحيات النشامى.
ويا فراس، ستبقى شجاعتك شاهدة على أن في هذا الوطن رجالاً يتقدمون حين يناديهم الواجب.
سلامٌ على جواد يوم أدّى واجبه ويوم ارتقى شهيداً، وسلامٌ على فراس وعلى كل نشميّ يحرس الأردن وأهله.
عاش الأردن عزيزاً آمناً، وعاشت رايته الهاشمية خفّاقة في سماء المجد.



