نسرق خيال أطفالنا… ثم نبحث عن دورات لتعليمهم الإبداع!

بقلم: الدكتورة كارول المجالي
المستشار الأكاديمي، مؤلفة المناهج التعليمية والباحثة الأكاديمية
في زمنٍ أصبح فيه حرص الآباء والأمهات على مستقبل أبنائهم يُترجم إلى جداول مكتظة بالأنشطة والدورات، بات الطفل يعيش يومًا مزدحمًا لا يكاد يجد فيه متسعًا لخياله. فما إن يعود من مدرسته حتى تبدأ رحلة أخرى من الالتزامات؛ تدريب على التايكواندو، ثم حصة رسم، تليها السباحة، وربما دروس إضافية وأنشطة تعليمية، ظنًّا من الأهل أنهم بذلك يستثمرون كل دقيقة في تنمية قدراته.
وحتى حين يعود الطفل إلى منزله، نستمر في إشغاله بالألعاب التعليمية والبرامج التفاعلية والأنشطة الموجّهة، وكأننا نخشى أن نترك له لحظة واحدة دون تعليمات أو أهداف محددة.
ولكن، وسط هذا الحرص كله، يبرز سؤال تربوي يستحق التأمل: هل نُنمي إبداع أطفالنا حقًّا، أم أننا نُعلّمهم انتظار من يخبرهم دائمًا ماذا يفعلون؟
لقد أصبحنا نخشى على أطفالنا من الفراغ، فما إن يقول أحدهم: «أشعر بالملل»، حتى نسارع إلى تقديم لعبة جديدة أو اقتراح نشاط آخر. وننسى أن الطفل لا يحتاج دائمًا إلى من يشغله، بل يحتاج أحيانًا إلى مساحة حرة يكتشف فيها بنفسه كيف يشغل وقته.
في التربية المبكرة، يُعرف هذا المفهوم باللعب الحر غير الموجّه (Unstructured Free Play)، وهو الوقت الذي يختار فيه الطفل نشاطه ويبتكر قواعده ويوظّف ما حوله دون أن يفرض الكبار عليه طريقة محددة للعب أو نتيجة ينبغي الوصول إليها.
تخيّلوا طفلًا في الخامسة من عمره، يجد أمامه صندوقًا كرتونيًّا فارغًا، فيحوّله إلى سفينة فضائية، ثم يستخدم حذاءه سيارةً، والوسائد جبالًا، وقطعة قماش خيمةً. فجأةً، تتحول أشياء منزلية عادية إلى عالم متكامل من الخيال والقصص والأحداث التي ابتكرها بنفسه.
نحن نرى صندوقًا وحذاءً ووسادة، بينما يرى الطفل عالمًا من الاحتمالات التي لا حدود لها!
وهنا تتجلى قيمة اللعب الحر؛ فالطفل لا يكتفي باستخدام الأشياء لوظائفها المعروفة، بل يعيد تخيّلها وتوظيفها، ويمارس التفكير الرمزي والتفكير التباعدي والمرونة المعرفية، وهي عمليات ترتبط بالإبداع وحل المشكلات، وتُعد من المرتكزات المهمة لمهارات القرن الحادي والعشرين.
ولعل ما يعزز هذا الطرح نتائج دراسة علمية أجراها Bonawitz وزملاؤه عام 2011، ونُشرت في مجلة Cognition تحت عنوان The Double-Edged Sword of Pedagogy. فقد أظهرت الدراسة أن الأطفال الذين تلقّوا تعليمات مباشرة حول كيفية استخدام لعبة جديدة استكشفوا إمكانات أقل لها مقارنةً بالأطفال الذين أُتيحت لهم فرصة أوسع للاستكشاف الذاتي. وهي نتيجة تدعونا إلى إدراك أن الإفراط في التوجيه قد يحدّ أحيانًا من فرص الاكتشاف، دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية التعليم الموجّه.
وفي دراسة أخرى أجراها Barker وزملاؤه عام 2014، ونُشرت في مجلة Frontiers in Psychology، وجد الباحثون ارتباطًا بين قضاء الأطفال وقتًا أطول في أنشطة أقل تنظيمًا وبين أداء أفضل في بعض مهارات الوظائف التنفيذية ذاتية التوجيه، التي تشمل إدارة الأهداف وتنظيم السلوك بصورة مستقلة. ورغم أن الدراسة لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، فإن نتائجها تفتح بابًا مهمًّا للتفكير في قيمة الوقت الذي يمتلك فيه الطفل حرية اتخاذ قراراته.
وتبرز أهمية هذه الفرص بوضوح في مرحلة الطفولة المبكرة، ولا سيما بين الثالثة والثامنة من العمر، حين يشكّل اللعب التخيّلي والرمزي جانبًا مهمًّا من تجارب الطفل النمائية. فعندما يتقمص الطفل دور الطبيب أو المعلم أو قائد الطائرة، فإنه لا يلهو فحسب، بل يعيد تمثيل ما يشاهده في العالم، ويختبر أدوارًا اجتماعية، ويبتكر مواقف وحلولًا من خياله.
وهنا علينا أن نتساءل: كيف نطالب أطفالنا مستقبلًا بالتفكير خارج الصندوق، ونحن نضعهم منذ طفولتهم داخل صناديق من التعليمات والأنشطة المحددة مسبقًا؟
إنني لا أدعو إلى إلغاء الأنشطة المنظمة أو التقليل من أهميتها؛ فالرياضة والفنون والبرامج التعليمية خبرات ضرورية ومفيدة. وإنما أدعو إلى التوازن بين ما نُعلّمه لأطفالنا وما نتيح لهم فرصة اكتشافه بأنفسهم.
ولعل من أجمل التجارب التي يمكن أن يخوضها الآباء والأمهات أن يمنحوا أطفالهم وقتًا حرًّا، بعيدًا عن الشاشات والتعليمات والأنشطة الجاهزة، مع توفير بيئة آمنة تتيح لهم استخدام الأشياء البسيطة الموجودة حولهم وفق خيالهم.
راقبوهم دون أن تفرضوا عليهم أفكاركم. اتركوا لهم حرية المحاولة والتغيير والابتكار. قد تفاجئكم عقولهم بأفكار عجيبة لم تخطر لكم على بال، وقد تكتشفون أن قدراتهم الإبداعية كانت تحتاج فقط إلى مساحة تظهر فيها.
أيها الآباء والأمهات، ليست الطفولة مشروعًا إداريًّا نملأ جدوله من الصباح حتى المساء، وليس الانشغال المستمر دليلًا على النمو الأفضل، كما أن كثرة الألعاب لا تعني بالضرورة اتساع الخيال.
امنحوا أطفالكم حقهم في وقت لا يُطلب منهم فيه إنجاز شيء، ولا اتباع تعليمات، ولا تحقيق هدف وضعه الكبار مسبقًا.
فحين نُعلّم الطفل كيف يستخدم الأشياء، فإننا نمنحه معرفة؛ أما حين نترك له فرصة اكتشاف استخدامات جديدة لها، فإننا نفتح أمامه بابًا للإبداع.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس: بماذا سنشغل أطفالنا غدًا؟ بل: كم من الوقت سنمنحهم ليُدهشونا بما يستطيعون ابتكاره بأنفسهم؟




