الرئيسيةسياحة

عماد حجازين… حين يعمل المسؤول بصمت وتتكلم الملفات

 

الرقم نيوز- بقلم: محرر الشؤون المحلية

في الإدارة العامة، ثمة فارق جوهري بين من يدير المنصب، ومن يدير الملف. الأول قد تحكمه يوميات المكتب وإيقاع البروتوكول، أما الثاني فيذهب إلى التفاصيل، يشتبك معها، ويعيد ترتيبها ضمن رؤية تتجاوز اللحظة إلى ما بعدها.

ومن يتابع حركة وزير السياحة والآثار الدكتور عماد حجازين خلال المرحلة الأخيرة، يلحظ حضوراً يقوم على هذا النمط؛ عمل هادئ، كثافة ميدانية، ومتابعة متصلة لقطاع شديد الحساسية تجاه المتغيرات السياسية والاقتصادية والإقليمية، وفي الوقت ذاته يمثل أحد أكثر القطاعات قدرة على توليد الدخل وفرص العمل وتحريك النشاط الاقتصادي في مختلف المحافظات.

حجازين لا يتعامل مع السياحة بوصفها ملفاً موسمياً يُقاس بعدد الزوار فحسب، بل كمنظومة اقتصادية مركبة تبدأ من الطيران وسهولة الوصول، وتمر بالفندق ومكتب السياحة والموقع الأثري والنقل والمطعم والمنتج المحلي، ولا تنتهي إلا عندما تتحول تجربة الزائر إلى قيمة اقتصادية حقيقية تبقى آثارها داخل المجتمع المحلي.

ولعل أكثر ما يلفت في نهج المرحلة الحالية هو اتساع مساحة التشاركية مع القطاع الخاص. فالمعادلة لم تعد قائمة على أن تضع الحكومة السياسات ثم تطلب من القطاع تنفيذها، وإنما على أن يكون القطاع الخاص جزءاً من صناعة التصور نفسه، وأن تدخل خبرته التشغيلية والاستثمارية إلى طاولة القرار منذ المراحل الأولى.

وهذه التشاركية ليست ترفاً إدارياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة السياحة ذاتها؛ فالدولة تملك القدرة على التشريع والتنظيم وتهيئة البيئة والبنية الأساسية، بينما يمتلك القطاع الخاص المعرفة المباشرة بالسوق، وسلوك السائح، وكلفة التشغيل، ومتطلبات الاستثمار، وتحولات الطلب. وعندما تلتقي هاتان القوتان في مساحة واحدة، يصبح القرار أكثر التصاقاً بالواقع وأقل عرضة للفجوة بين التخطيط والتنفيذ.

هذا المنطق انعكس في النقاشات المتعلقة باستراتيجية السياحة للأعوام 2026–2029، التي تُناقش مع مكونات القطاعين العام والخاص، ضمن محاور تشمل تطوير المنتج السياحي، والموارد البشرية، والتسويق، وإدارة التراث وحمايته، والتحول الرقمي، والاستثمار وتمكين المجتمعات المحلية والإصلاحات، وبما يتقاطع مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.

أما ملف 2030، فإنه يحمل ثقلاً مختلفاً تماماً.

فالأردن يقف أمام مناسبة تتجاوز إطار الفعالية السياحية العابرة، مع الاستعداد لمرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح في موقع المغطس. وهي محطة يجري التعامل معها كفرصة تستلزم عملاً وطنياً متكاملاً، يربط الجاهزية السياحية والتسويقية والبنية التحتية وتكامل أدوار المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والشركاء المعنيين.

والفارق هنا أن الاستعداد لعام 2030 لا يمكن أن يبدأ في 2029.

إنه ملف يحتاج إلى نفس طويل، وإلى هندسة زمنية تبدأ من اليوم؛ لأن الأسواق السياحية الكبرى لا تُبنى بحملات خاطفة، والوجهات لا تُرسَّخ في الوعي العالمي بقرار آني، كما أن البنية المطلوبة لاستقبال حدث بهذا الحجم تحتاج إلى سنوات من التحضير، وبناء الشراكات، وتهيئة المنتج، وتطوير الخدمات، وربط الأردن بمسارات السياحة الدولية ذات الصلة.

ولذلك فإن القيمة الحقيقية لأي تحرك مبكر تكمن في تحويل 2030 من مناسبة إلى مسار اقتصادي وسياحي طويل الأثر؛ مسار يمكن أن يمتد من المغطس إلى مادبا وجبل نيبو، ومن المواقع التاريخية والدينية إلى منظومة الضيافة والنقل والتجارب المحلية، بحيث لا يكون الهدف أن يصل السائح إلى موقع واحد، بل أن يدخل في رحلة أردنية متكاملة تطيل مدة إقامته وتوسع إنفاقه وتوزع الأثر الاقتصادي على مساحة أكبر من المملكة.

وفي موازاة ذلك، يظهر البعد الميداني في إدارة حجازين للملفات. فالسياحة بالنسبة لمسؤول يأتي من عمق هذا القطاع لا تُقرأ فقط في الجداول والتقارير، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي قد تصنع فارقاً كبيراً: جودة الخدمة، جاهزية المواقع، تجربة السائح، قدرة المنشآت على الاستمرار، كلفة التشغيل، سهولة الاستثمار، مهارات العاملين، وربط المحافظات بالفرص الاقتصادية التي تولدها السياحة.

وهنا تحديداً تتضح أهمية الخبرة؛ فالمعرفة التراكمية بالقطاع تمنح صاحبها القدرة على التمييز بين المشروع الذي يبدو جميلاً على الورق والمشروع القادر فعلياً على الحياة. ولهذا برز في النقاش المتعلق بالبرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي التركيز على جدوى المشاريع، وجاهزيتها للتنفيذ، وأثرها الاقتصادي واستدامتها، لا مجرد إدراجها ضمن قوائم الخطط.

إن السياحة الأردنية اليوم ليست أمام مهمة تسويقية فقط، بل أمام عملية إعادة تموضع كاملة في سوق عالمي شديد التنافس. فالوجهات تتغير، وسلوك المسافر يتبدل، والطيران يعيد تشكيل الخريطة، والأسواق التقليدية لم تعد وحدها كافية، والمنافسة الإقليمية باتت أكثر شراسة واستثماراً.

ولهذا يصبح فتح الأسواق الجديدة، وتعميق الحضور في الأسواق القائمة، وتوسيع الربط الجوي، وبناء الشراكات الدولية، وتحديث المنتج السياحي، عناصر مترابطة في معادلة واحدة، لا ملفات منفصلة.

ووسط كل ذلك، ربما تكون السمة الأكثر وضوحاً في أداء حجازين هي أن مساحة الحركة تبدو أكبر من مساحة الكلام؛ اجتماعات تمتد من الداخل إلى الخارج، وحوار مستمر مع القطاع الخاص، ومتابعة للاستراتيجية الجديدة، واشتباك مع ملفات الاستثمار والتسويق والمنتج السياحي، إلى جانب التحضير المبكر لاستحقاقات السنوات المقبلة.

فالعمل بصمت لا يعني غياب الرؤية، كما أن الهدوء لا يعني بطء الحركة.

أحياناً يكون الصمت في الإدارة شكلاً من أشكال التركيز، وتكون الميدانية بديلاً عن الخطابات، وتصبح الملفات المفتوحة على الطاولة هي الشاهد الحقيقي على حجم الطاقة المبذولة.

وفي قطاع يحتاج اليوم إلى كثير من العمل وقليل من الضجيج، يبقى الامتحان الأهم هو قدرة هذه الحركة على التحول إلى أرقام، واستثمارات، وفرص عمل، وأسواق جديدة، وتجربة سياحية أكثر تنافسية.

فالمسؤولية في النهاية لا تُقاس بعدد المرات التي يظهر فيها المسؤول أمام الكاميرا، بل بقدرته على أن يترك خلفه قطاعاً أكثر قوة مما تسلمه، ومساراً أوضح لمن يأتي بعده

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى