مقالات اقتصادية

الأردن لا يشيح بنظره… عندما يتحدث الملك بلغة الدولة

 

بقلم الدكتور خليل الحسنات

لم يكن حديث جلالة الملك عبدالله الثاني، أمس، حديثًا عابرًا أمام العالم، بل كان حديث دولة تعرف تمامًا ما الذي يدور حولها، وتدرك حجم المخاطر التي تحيط بالإقليم، وتعرف في الوقت ذاته أين تقف مصالح الأردن، وأين تبدأ الخطوط التي لا يمكن تجاوزها.

جلالة الملك تحدث بلغة سياسية واضحة، هادئة في أسلوبها، قوية في مضمونها، ووضع أمام المجتمع الدولي حقيقة لا تحتمل التأجيل: أمن الأردن ليس مجالًا للتجربة، وحدوده ليست ساحة مفتوحة، ومياهه ليست قضية هامشية، ومصالح شعبه ليست موضع مساومة.

هذه هي الرسالة الأهم.

الأردن دولة اختارت الدبلوماسية والحوار، وتمسكت بالسلام، ووقفت دائمًا مع الحلول السياسية، لكنها لم ولن تعتبر هذا النهج ضعفًا. فالدبلوماسية الأردنية التي يقودها جلالة الملك تقوم على مبدأ واضح: الانفتاح على الجميع، والتعامل مع الجميع، لكن دون التفريط بثوابت الدولة أو أمنها الوطني.

وعندما يتحدث جلالة الملك عن الحدود الشمالية، وعن التطورات في الجنوب السوري، وعن الأمن المائي، فهو لا يتحدث عن ملف أمني منفصل عن حياة الأردنيين، وإنما يتحدث عن صميم الأمن الوطني الأردني.

فالمياه أمن، والحدود أمن، والاستقرار أمن، والاقتصاد أمن، وقدرة الدولة على حماية شعبها ومقدراتها مسؤولية لا يمكن تأجيلها.

وهنا تظهر أهمية القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية، التي تحمل منذ عقود مسؤولية حماية هذا الوطن في أصعب الظروف وأكثرها تعقيدًا. فالأردن لم يكن يومًا بعيدًا عن أزمات المنطقة، لكنه كان دائمًا قادرًا على حماية حدوده والحفاظ على استقراره بفضل مؤسسات وطنية تعرف واجبها وتقوم به.

إن ما قاله جلالة الملك أمس يجب أن يُقرأ باعتباره رسالة دولة، وليس مجرد موقف سياسي.

رسالة تقول إن الأردن لن ينتظر حتى تصل الأخطار إلى داخله، ولن يسمح بأن تتحول الأزمات المحيطة به إلى تهديد مباشر لشعبه وأمنه ومقدراته.

وفي الوقت ذاته، لم يغفل جلالة الملك القضية الفلسطينية، التي بقيت في قلب الموقف الأردني. فالأردن، بقيادته الهاشمية، لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا سياسيًا مؤقتًا، بل باعتبارها قضية حق وعدالة واستقرار إقليمي ودولي.

إن استمرار الاحتلال، وتوسيع المستوطنات، والاعتداء على الحقوق الفلسطينية والمقدسات في القدس، كلها ملفات لا يمكن أن تختفي من المشهد مهما تعددت الأزمات.

لكن الأردن، وهو يدافع عن حقوق الأشقاء الفلسطينيين، يعرف أيضًا أن عليه واجبًا مقدسًا تجاه شعبه ودولته.

لا يمكن أن يكون دعم فلسطين على حساب الأردن، كما لا يمكن أن يكون أمن الأردن منفصلًا عن أمن المنطقة.

ومن هنا تأتي قوة الموقف الأردني.

الأردن لا يريد الحرب، ولا يسعى إلى التصعيد، ولا يبحث عن خصومة مع أحد، لكنه في الوقت نفسه لن يسمح بأن يُساء فهم اعتداله، أو أن تتحول سياسة ضبط النفس إلى فرصة لفرض أمر واقع على حدوده أو المساس بأمنه المائي.

إن المنطقة أمام مرحلة دقيقة، وما يحدث حول الأردن يتطلب أعلى درجات اليقظة السياسية والأمنية، ويتطلب من المجتمع الدولي أن يدرك أن ترك الأزمات تتراكم لن يؤدي إلى الاستقرار، وأن تجاهل الخطر لا يعني اختفاءه.

لقد قال جلالة الملك كلمته بوضوح:

الأردن لن يشيح بنظره.

وهذه ليست عبارة عابرة، بل موقف دولة.

دولة تحترم القانون الدولي، وتؤمن بالحوار، وتدافع عن السلام، لكنها في الوقت نفسه تعرف كيف تحمي حدودها، وكيف تصون مياهها، وكيف تدافع عن مصالح شعبها.

وفي زمن تتبدل فيه المواقف وتتغير فيه الحسابات السياسية بسرعة، يبقى الأردن ثابتًا في موقفه، واضحًا في رسالته، ومتمسكًا بثوابته الوطنية والقومية.

إن خطاب جلالة الملك أمس كان تأكيدًا جديدًا على أن الأردن ليس مجرد متلقٍ لتداعيات أزمات المنطقة، بل دولة فاعلة تعرف مسؤولياتها، وتقرأ المشهد بعين الدولة، وتضع أمن شعبها ومصالحه في مقدمة أولوياتها.

وعندما يتحدث الملك بلغة الدولة، فإن الرسالة تكون واضحة:
السلام خيارنا، والدبلوماسية نهجنا، لكن أمن الأردن وسيادته ومياهه ومصالح شعبه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى