
الرقم نيوز- شهد قطاع التقنية نمطا مستقرا تاريخيا مدفوعا بـ قانون مور. حيث كانت تتقلص تكلفة المكونات الإلكترونية الدقيقة والذواكر بمرور الوقت مع زيادة كفاءتها. غير أن الطفرة الانفجارية للذكاء الاصطناعي التوليدي قلبت هذه المعادلات رأسا على عقب. لتدشن الأسواق حقبة اقتصادية جديدة أطلق عليها خبراء المال والمحللون التقنيون اسم تضخم الرقائق.
تتطلب نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة قدرات معالجة فائقة وسرعات نقل بيانات استثنائية لمواجهة مشكلة عنق الزجاجة في نقل البيانات بين المعالج والذاكرة. وهذا الأمر جعل ذاكرة النطاق العريض العالية العصب الأساسي لمسرعات الذكاء الاصطناعي مثل رقائق إنفيديا وإيه إم دي.
ووفقا لمذكرة بحثية شاملة أصدرها مصرف مورغان ستانلي، فإن استهلاك الذكاء الاصطناعي للذاكرة يتصاعد بشكل أسي وغير مسبوق على كافة المستويات التقنية. فعلى مستوى الرقاقة المفردة التي تستخدم معالجات الذكاء الاصطناعي من الأجيال الحديثة نحو 7.2 ضعف من ذاكرة إتش بي إم مقارنة بالأجيال السابقة.
وعلى مستوى النظام الكامل والمصفوفات، يتضاعف الاستهلاك ليصل إلى 65 ضعفا. أما على مستوى مراكز البيانات، فقد قفزت السعات المطلوبة لذاكرة إتش بي إم في البنى التحتية لمراكز البيانات من حوالي 10 تيرابايتات في عام 2020 إلى قرابة 18 بيتابايتا.
هذا الطلب الهائل اصطدم بسلاسل توريد جامدة لا يمكنها الاستجابة الفورية. إذ إن بناء خطوط إنتاج جديدة لذواكر أشباه الموصلات المتقدمة واختبار كفاءتها يتطلب سنوات من العمل والاستثمارات الضخمة. مما خلق سوقا منقسمة تمنح الأولوية المطلقة لمن يدفع أكثر.
أشار شون كيم، رئيس فريق أبحاث التكنولوجيا في أوروبا وآسيا لدى مورغان ستانلي، إلى أن أسعار ذواكر الوصول العشوائي الديناميكية شهدت قفزة عنيفة. حيث تضاعفت الأسعار بأكثر من 6 مرات خلال الفترة القصيرة الماضية. وهذا الارتفاع يمثل انحرافا حادا عن النمط الاقتصادي الذي ساد لعقود.
وتتوقع تقديرات المؤسسة المالية حدوث عجز حاد في المعروض الموجه للأسواق التقليدية بحلول عام 2027 نتيجة إعادة توجيه المصانع لخطوط إنتاجها نحو المنتجات الفاخرة وعالية الهامش المخصصة للذكاء الاصطناعي. سوق الحواسيب الشخصية تواجه عجزا محتملا في تلبية الطلب على الذاكرة بنسبة 15%، وهو ما يعادل نقصا في إمدادات الذاكرة لنحو 58 مليون حاسوب. بينما سوق الهواتف الذكية تواجه نقصا في المعروض بنسبة 12%.
تظهر الأرقام المالية الصادرة عن المصرف تضخما مرعبا في الحجم الإجمالي لسوق الذاكرة. إذ تشير التوقعات إلى نمو السوق من 220 مليار دولار إلى 890 مليار دولار. ما يعني ضخ نحو 600 مليار دولار كإيرادات إضافية تدفقت بالكامل لشركات تصنيع الذاكرة.
لم يعد هذا الارتفاع حبيس جدران الخوادم السحابية. بل انعكس بشكل مباشر على تكلفة تصنيع الأجهزة الاستهلاكية. فإلى جانب النقص العالمي في الرقائق التقليدية، فرضت ثورة الذكاء الاصطناعي المحلي معايير تقنية قاسية ومكلفة. حيث بات الحد الأدنى لذاكرة الوصول العشوائي هو 16 غيغابايت كمعيار إجباري بدلا من 8 غيغابايتات.
وفقا لتحليلات الخبراء في مورغان ستانلي ووكالات رصد الأسواق، تجد الشركات المصنعة للأجهزة مثل لينوفو وديل وشاومي وإتش بي، نفسها أمام خيارات معقدة وهامش مناورة ضيق جدا لامتصاص التكاليف. وتتلخص إستراتيجياتها في تمرير التكلفة للمستهلك، حيث تشير البيانات الحالية إلى ارتفاع أسعار الحواسيب والهواتف الذكية بنسب تتراوح بين 5% إلى 20%.
بالإضافة إلى تخفيض المواصفات كبديل لرفع السعر الحاد. وقد تلجأ الشركات لتخفيض جودة مكونات أخرى في الجهاز. أو تقليص هوامش الأرباح وتأخير الإطلاقات. وعلى الرغم من أن هذا التضخم الرقمي يضغط بقوة على هوامش ربح الشركات المصنعة وميزانيات الأفراد، إلا أن تأثيره المباشر على مؤشر أسعار المستهلك الإجمالي في الاقتصاد الكلي سيبقى محدودا.




