مقالات اقتصادية

جدليّة البطالة والتشغيل إعادة قراءة أسباب المشكلة وتـغـيـيـــر آلـيـــات الـمـعـالـجـــة

ينال نواف البرماوي

البطالة والتشغيل جدلية مستمرة في ظل ارتفاع عدد المتعطلين عن العمل، مع الفجوة الكبيرة ما بين فرص العمل المستهدفة وأعداد الداخلين الجدد للسوق، وأسباب أخرى تتعلق بالتدريب والتأهيل وطبيعة الفرص المتاحة التي تحتاجها مختلف القطاعات، ومدى مواكبة التحولات التكنولوجية وثورة الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى ما يرتبط في أذهان كثيرين بثقافة العيب ومخرجات التعليم.

البطالة في الأردن ما زالت مرتفعة، وإن شهدت تراجعًا وفقًا لآخر بيانات إحصائية، لكنه غير مؤثر بالشكل المطلوب رغم الجهود المستمرة لاحتوائها. وتبرز عدم قدرة الاقتصاد على توفير فرص العمل اللازمة لتتواءم مع عدد المتعطلين الذي يرتفع بشكل مُطّرد مع تخرج عشرات الآلاف سنويًا من الجامعات والمعاهد، إلى جانب أعداد أخرى ممن لم يكملوا دراستهم الجامعية، وما قلَّ منهم يتجهون للتدريب المهني كمدخل أفضل للحصول على فرصة عمل.

ومهما كانت الحلول الرسمية ناجعة لتوفير فرص العمل، لكنها مع التطور التكنولوجي المتسارع وأعداد الداخلين إلى سوق العمل ستبقى غير كافية لمواجهة البطالة كما يجب، وذلك يحتاج إلى استقطاب مزيد من الاستثمارات والتركيز على التعليم المهني والتقني.

حالة الجدل التي تتجدد من حين لآخر مهمة إذا أُخذت في سياق إيجابي لمناقشة المشكلة وتشخيصها، واقتراح الحلول الناجعة للحد من البطالة وما يرتبط بها مباشرة من معدلات الفقر، دون أن تكون مناسبة للتلاوم وتحميل المسؤوليات بأثر رجعي ربما لعقود طويلة، فذلك لا يجدي نفعًا أبدًا، أو أن تُستغل كغطاء لأجندات سياسية وشخصية.

وهنا يجدر التأكيد على أهمية الاستثمارات الاستراتيجية التي تم الإعلان عنها مؤخرًا لجهة توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في هذه المشاريع، وكذلك إكساب خبرات ومهارات جديدة للأيدي العاملة الأردنية، كما يتم العمل ضمن رؤية مستهدفات التحديث الاقتصادي على توفير 100 ألف فرصة عمل سنويًا، وهذا ما تحقق بنسبة كبيرة بحسب البيانات التي أعلنتها الجهات المختصة.

البطالة مشكلة مقلقة في أية دولة، ويُتوقع أن تشهد ارتفاعًا خلال السنوات المقبلة مع تراجع الوظائف لصالح الذكاء الاصطناعي وإحلال تقنياته وأدواته مكان الأيدي العاملة البشرية، ما يفاقم الأزمات المعيشية، واتساع نطاق الفقر عالميًا، ما يستدعي أيضًا اكتساب المهارات اللازمة لإشغال الوظائف وتغير طبيعتها إلى «وظائف ذكية».

بعد سنوات من محاولات التعاطي الإيجابي مع مشكلة البطالة ومواجهتها، يُفترض أن تتم إعادة دراستها من جديد وقراءة أسبابها وتغيير آليات المعالجة بالشكل الذي يُحدث أثرًا ملموسًا، خاصة مع الانعكاسات السلبية للذكاء الاصطناعي على مجالات العمل والتنبؤ بما هو قادم من تآكل الوظائف على المستوى العالمي.

التصدي لمشكلة البطالة مسؤولية وطنية تتطلب تضافر جهود كافة الجهات ومؤسسات المجتمع المدني والشباب أنفسهم، من خلال التماشي مع متطلبات المرحلة واكتساب المهارات اللازمة وإسقاط ثقافة العيب من حساباتهم.

وهذا يتطلّب:

دراسات أعمق وأكثر شمولية وواقعية لنسب البطالة، لا سيما أن المفهوم لدى البعض أنه متعطل عن العمل ما دام لا يعمل في وظيفة حكومية أو في القطاع الخاص، في الوقت الذي يعمل فيه بمجالات مختلفة وأعمال حرة ذات مردود مادي أفضل بكثير من ارتباطه بوظيفة أو ما يمكن تسميته بالقطاع غير المنظم.

دراسات لبيان أثر برامج التدريب والتأهيل على سوق العمل وانعكاسها على نسب البطالة ومدى الإقبال الحقيقي عليها، وإعادة النظر بها وتوجيهها تبعًا لاحتياجات السوق والأنسب للملتحقين بها وطبيعة كل منطقة.

تحديد إلى أي مدى نجحت خطط المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل في ظل التركيز على التخصصات المهنية والتقنية في الجامعات والكليات؟ وهل يكتسب الخريج المهارات اللازمة للانخراط في الوظائف التي يحتاجها القطاع الخاص ومختلف المنشآت؟

تنظيم سوق العمل وإحلال العمالة المحلية مكان الوافدة، وخاصة مع الحديث المستمر حول ارتفاع أعداد الوافدين بشكل يتجاوز أعداد الأردنيين المتعطلين عن العمل، ما يعني نظريًا إمكانية إحداث تخفيض كبير في نسبة البطالة، وهذا يحتاج إلى تقييم ودراسات أثر والاسترشاد بالنتائج لتعزيز الجهود المبذولة لمعالجة هذه المشكلة باعتبارها الفرصة الأكبر لتشغيل الأيدي العاملة المحلية والحد من البطالة.

ثقافة العيب يتضح أنها ما زالت قائمة، فالقليل جدًا يقبل العمل في مجالات الصناعة والزراعة والإنشاءات وغيرها، وبالتالي تسيطر العمالة الوافدة على فرص العمل لديها، وقد نجحت بعض الجهات في إلغاء هذا المفهوم عند الشباب من خلال توفير أجور معقولة وتأمينات اجتماعية والأمان الوظيفي وتغيير أدوات العمل.

تحفيز الطلبة لدراسة التخصصات التقنية والتكنولوجية والأكثر طلبًا في سوق العمل بالتوجيه الفاعل وإعادة النظر بالرسوم والكلف.

الدستور

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى