الرئيسية

رؤى العبهري- في بيتٍ تغمره الأخبار والتقارير الصحفية، نشأ الطفل كامل (اسم مستعار) قريباً من عالم الإعلام والشهرة، متأثراً بوالده الاعلامي صاحب الحضور الإعلامي الواسع. ومع مرور الوقت، تحول شغفه المبكر بكرة القدم إلى بوابة لدخوله عالم صناعة المحتوى الرياضي، حيث بدأ منذ سنٍ صغيرة بتقديم تحليلات للمباريات عبر منصات التواصل الاجتماعي وقناته على “يوتيوب”، مستفيداً من ذاكرته القوية وقدرته على حفظ تفاصيل اللاعبين والأندية والعقود الرياضية.

ومع اتساع شهرته، أصبح الطفل كامل البالغ من العمل 13 عاما- ضيفاً متكرراً على المنصات الرقمية المختلفة، وسط إشادة بقدرته على الحديث بثقة أمام الكاميرات رغم صغر سنه. إلا أن هذا الحضور الإعلامي المكثف يفتح باباً أوسع للنقاش حول ظاهرة عمالة الأطفال الرقمية، خاصة مع التحول المتزايد للأطفال من مجرد هواة إلى صناع محتوى مطالبين بالحفاظ على حضور رقمي دائم ومستمر.

قال استاذ الاعلام في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة الدكتور صدام المشاقبة انه ففي عالم المنصات الرقمية، لا يرتبط النجاح فقط بالموهبة، بل بالاستمرارية اليومية والإنتاج المتواصل للمحتوى، الأمر الذي قد يضع الأطفال تحت ضغط دائم للحفاظ على نسب المشاهدة والتفاعل والمتابعين. ورغم أن الهدف الأساسي في حالة كامل لم يكن تحقيق عائد مادي بقدر ما كان نابعًا من الشغف والتشجيع الأسري، إلا أن طبيعة العمل الرقمي نفسها تفرض التزامات تشبه بيئة العمل الاحترافية، من تصوير وتحضير ومتابعة وتعامل مستمر مع الجمهور والمنصات الإعلامية.

وتابع المشاقبة أن الظهور المبكر والمتكرر أمام الكاميرات قد يدفع الأطفال إلى تحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم، في ظل تداخل الحدود بين الطفولة والعمل الرقمي، خاصة عندما يصبح الطفل مطالباً بالحفاظ على صورته العامة واستمرارية حضوره الإعلامي بشكل يومي مرهق، لافتا الى أن هذه الظاهرة تستدعي نقاشاً مجتمعياً وقانونياً حول حماية الأطفال العاملين في الفضاء الرقمي، وضمان عدم تحول الموهبة والشغف إلى ضغط نفسي أو التزام مهني مبكر يؤثر على نموهم الطبيعي وحياتهم الاجتماعية والتعليمية.

و وصف والد كامل رحلة نجاح ابنه لم تكن وردية كم بدت أمام الجمهور، إذ رافق النجاح كثير من التعليقات الجارحة والتنمر الذي استهدف صغر سنكامل أكثر من موهبته نفسها، وأضاف أن تلك الفئة لجأت إلى السخرية من الظهور الإعلامي لكامل بدلاً من تقييم المحتوى المعلوماتي الذي يقدمه، مؤكداً أنه حرص على توعية نجله بطبيعة الشخصية العامة وضرورة تقبل ردود الفعل المتباينة بوعي ونضج.

بيع الطفولة بالمشاهدات

وشدد المشاقبة على أن الصورة الذهنية للطفولة في عصرنا الرقميتتحول بشكل دراماتيكي مستمر، فبدلاً من كونها فترة بريئة من الحياة،تُستخدم مشاهدات الأطفال ومشاركتهم كوسيلة لجذب الانتباه وتحقيق أرباحمالية، وبالتالي يصبح الطفل صانع المحتوى مطالباً بتقديم أداء مستمر أمامالكاميرا، والحفاظ على حضوره الرقمي بشكل يومي من خلال التصوير المتكرروإنتاج المحتوى والتفاعل الدائم مع الجمهور، الأمر الذي يضعه تحت ضغطنفسي وذهني متواصل قد يفوق قدرته العمرية، خاصة مع سعي المنصاتالرقمية إلى المحتوى المتجدد والسريع، مما يحول النشاط الذي بدأ كهواية أوموهبة إلى عمل يومي مرهق يستنزف وقت الطفل وراحته وحياته الطبيعية.

وأردف المشاقبة أن ما يعرف اليوم بـتسليع الطفولة رقمياًبات ظاهرةمتنامية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليوميةللأطفال إلى مادة جاذبة للمشاهدات والتفاعل. وأوضح أن بعض الحساباتتعتمد على تصوير الأطفال بشكل مستمر وإبراز تصرفاتهم العفوية أولحظاتهم الخاصة بهدف استقطاب الجمهور ورفع نسب المتابعة، الأمر الذييحوّل براءة الطفل وحياته الشخصية إلى محتوى رقمي قابل للاستثمارالتجاري.

وشدد المشاقبة على أن المنصات الرقمية تدفع باتجاه اختيار المشاهدالأكثر تأثيراً على الجمهور، سواء كانت لحظات الفرح أو البكاء أو المواقفالطريفة، لإعادة تقديمها ضمن محتوى مصمم لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار،مما يجعل الطفل محوراً لعملية تسويقية رقمية قد تستخدم لاحقاً لتحقيق أرباحعبر الإعلانات أو عقود الرعاية، دون إدراك كامل من الطفل لحجم هذا الحضوروتأثيره على خصوصيته وطفولته.

عمالة الأطفال في شكلها الحديث

وقال الخبير القانوني الأستاذ محمد خاطر ان عمالة الأطفال لا تقتصرعلى الأعمال اليدوية أو التقليدية فقط، بل تشمل أيضاً الأنشطة الحديثةالمرتبطة بالفضاء الرقمي عندما تتحول إلى التزام مستمر يؤثر على الطفلوحياته لافتاً الى أن منظمة العمل الدولية تعرف عمالة الأطفال بأنهاالأعمالالتي تحرم الأطفال من طفولتهم وإمكاناتهم وكرامتهم، وتكون ضارة بنموهمالبدني أو النفسي أو التعليمي، مؤكداً أن هذا التعريف ينطبق على بعضأشكال صناعة المحتوى الرقمي عندما يصبح الطفل مطالباً بالعمل والإنتاجالمستمر على حساب صحته وطفولته وتعليمه.

وأوضح خاطر أن عمالة الاطفال الرقمية تجعل الطفل يدفع “ضريبة الشهرة” التي قد يدفعها الطفل الموهوب رقمياً لا تقتصر على الجهد البدني المبذول، بل تمتد لتمس خصوصيته وكرامته النفسية في مواجهة الجمهور، وأشار خاطر إلى أن القوانين الدولية والمحلية تعتبر أي عمل يحرم الطفل من طفولته أو يلحق ضرراً نفسياً له يندرج تحته مفهوم “الاستغلال”، خاصة حين يتعرض الطفل لمحتوى ينتهك كرامته أو يعرضه للسخرية العلنية. 

وفي سياق الحماية من التنمر والإساءة التي قد ترافق عمالة الاطفال الحديثة، أكد خاطر على عدة نقاط أهمها حق النسيان حيث إن التشريعات الحديثة تمنح الطفل حق النسيان الذي يتيح له مطالبة المنصات الرقمية بمسح فيديوهاته ومحتواه في حال تعرضه للإساءة أو التنمر، وذلك لحماية مستقبله من أي أثار نفسية سلبية، مشدداً على بعض القوانين التي تعاقب بالحبس أو الغرامة لكل من يثبت تورطه في نشر محتوى ينتهك كرامة الطفل أو يتسبب له بإساءة نفسية، معتبراً أن التنمر الإلكتروني يقع ضمن دائرة الاستغلال التي يجب التصدي لها.

وأردف خاطر أيضاً إلى أن أجهزة الدولة والنيابة العامة ملزمة بالتدخل الفوري عند رصد أي انتهاك يمس سلامة الطفل الموهوب، مؤكداً أن حماية الطفل هي مسؤولية تضامنية تبدأ من الأهل وتصل إلى السلطات القضائية.

وفيما يتعلق بظاهرة الأطفال المؤثرين Kidfluencers، أشار خاطرإلى أن العمالة الرقمية تتمثل في الاستغلال الاقتصادي للطفل عبر المنصات الرقمية لإنتاج محتوى مربح مادياً، مما قد يؤثر على خصوصيته أو حقه في اللعب، وبينت القوانين الأردنية، وتحديداً قانون حقوق الطفل رقم (17) لسنة 2022، حماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي رغم عدم وجود مصطلح صريح يسمى “العمالة الرقمية” في قانون العمل.

توفير بيئة آمنة

أفادة أخصائية تربية الطفل الدكتورة خالدة القرعاوي إلى أن دعم موهبة الطفل الفطرية يمنحه شعوراً بالإنجاز، شريطة ألا تتحول إلى ضغط نفسي يحمله مسؤوليات تفوق عمره، وأوضحت أن الفرق بين الدعم والاستغلال يكمن في عنصر الاختيار فإذا كان الطفل يمارس التحليل الرياضي كمتعة وهواية، فإن ذلك يعزز ثقته بنفسه، أما إذا أُجبر على الالتزام بجداول تصوير صارمة من أجل المشاهدات، فإن ذلك قد يؤدي إلى احتراق نفسي مبكر.

وشددت القرعاوي على ضرورة حماية الطفل من التعليقات السلبية أو التنمر الإلكتروني الذي قد يواجهه في الفضاء الرقمي، مشيرة إلى أن دور الأهل هو توفير بيئة آمنة توازن بين الشهرة وبين عيش حياة طبيعية كباقي أقرانهم في المدرسة واللعب، نوهت القرعاوي أيضاً إلى أن ضريبة الشهرة المبكرة قد تجبر الطفل على الانكفاء على ذاته خوفاً من النقد، مما قد يحرمه من التفاعل الطبيعي مع أقرانه حيث يولد لديه شعوراً بالاغتراب الاجتماعي.

لمشاهدة المادة المرئية حول عمالة الأطفال الرقمية من منظور قانوني انقر هنا

https://www.youtube.com/watch?v=RZaLkpKDbM8

 

رفع الوعي بمبادئ تغطية قضايا الطفولة

أكدت الصحفية الأردنية المتخصصة في قضايا حقوق الطفل نادين النمري، أن الوعي بمبادئ تغطية قضايا الطفولة في الوسط الصحفي الأردني شهد تطوراً ملحوظاً خلال الأعوام الأخيرة نتيجة التركيز المكثف والدورات التدريبية المتخصصة، وأشارت النمري إلى استمرار وجود بعض التجاوزات التي تمس المصلحة الفضلى للطفل، لا سيما في القضايا الحساسة مثل عمالة الأطفال والتسول، مسندةً هذه الأخطاء غالباً إلى عدم المعرفة والدراية الكافية بالمعايير المهنية.

وشددت النمري على ضرورة ألا تترك التغطية لتقدير الصحفي الشخصي مطالبة المؤسسات الإعلامية بتبني مواثيق وأدلة إرشادية واضحة تضمن الموافقة المُستنيرة حيث أوضحت النمري أن الاكتفاء بموافقة ولي الأمر لا تكفي، بل يجب الحصول على موافقة الطفل نفسه مع التأكد من إدراكه لتبعات هذا الظهور الإعلامي، وأكدت النمري أن دور الصحفي يكمن في تقدير الضرر، فإذا تبين أن المادة قد تلحق أذى بالطفل حالياً أو مستقبلاً، وجب الامتناع عن النشر حتى في حال وجود موافقة رسمية، مشددة على أن حماية الطفل تتقدم على أي اعتبار آخر بما في ذلك “المصلحة العامة”.

للإستماع إلى مداخلة الصحفية نادين النمري اضغط هنا

https://www.youtube.com/watch?v=fL–m4Miz4c

نماذج دولية لحماية الأطفال رقمياً

واستشهد أستاذ الإعلام الدكتور صدام المشاقبة بعدد من التجاربالدولية التي اتجهت نحو سن تشريعات تهدف إلى حماية الأطفال منالاستغلال الرقمي ودفعهم المبكر نحو أشكال من العمالة الرقمية المرتبطةبصناعة المحتوى والمنصات الإلكترونية، مشيراً إلى أن دولة الإمارات أصدرتالمرسوم بقانون اتحادي رقم 26 لسنة 2025 بشأن السلامة الرقمية للطفل،والذي يعد إطاراً قانونياً متكاملاً لحماية الأطفال في البيئة الرقمية، من خلالوضع معايير للحد من المحتوى الضار، وتنظيم تعامل المنصات مع بياناتالأطفال، ومنع استغلالهم رقمياً أو تعريضهم لممارسات قد تؤثر على سلامتهمالنفسية والاجتماعية.

وأضاف المشاقبة أن النقاش حول وجود الأطفال على منصات التواصلالاجتماعي لم يعد مقتصراً على مسألة الاستخدام أو الترفيه، بل أصبح مرتبطاًبشكل مباشر بمخاطر الاستغلال الاقتصادي والرقمي للأطفال، خاصة معتصاعد ظاهرة تحويل الأطفال إلى صناع محتوى يخضعون لضغط المشاهداتوالإعلانات والاستمرارية الرقمية. ونوه إلى أن إعلان رئيس الوزراء الإسبانيبيدرو سانشيتش التوجه نحو حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمنهم دون السادسة عشرة لا يمكن قراءته باعتباره قراراً تقنياً محلياً فقط، بلبوصفه رسالة سياسية وتشريعية تعكس تنامي القلق العالمي من الآثار النفسيةوالاجتماعية والاقتصادية المترتبة على استغلال الأطفال رقمياً.

ولفت المشاقبة إلى أن التوجه الإسباني لا يقتصر على تقييد الوصول إلىالمنصات، بل يتضمن تحميل الشركات الرقمية مسؤولية قانونية مباشرة منخلال إجراءات التحقق العمري، وفرض العقوبات، وتشديد الرقابة على المحتوىوآليات الربح المرتبطة بالأطفال، مؤكداً أن هذه الخطوات جاءت بعد سنوات منالجدل حول نفوذ المنصات الرقمية وعجز الرقابة الأسرية وحدها عن حمايةالأطفال من الاستغلال أو دفعهم نحو أنماط عمل رقمية مرهقة.

وأكد أن إسبانيا ليست استثناء، إذ تتجه دول أخرى مثل اليونان والتشيكنحو تبني سياسات أكثر صرامة تجاه الفضاء الرقمي للأطفال، ما يعكستشكل توجه دولي جديد يقوم على اعتبار حماية الطفل مسؤولية تشريعيةومؤسسية، وليس مجرد مسؤولية أسرية فردية، خصوصاً مع تزايد المخاوف منتحول الأطفال إلى أدوات لجذب التفاعل والمشاهدات وتحقيق الأرباح داخلالاقتصاد الرقمي.

مكافحة أسوأ أشكال عمالة الأطفال

لا تعد عمالة الأطفال الرقمية بديلاً عن العمالة التقليدية داخل الأسواق والورش والمهن اليدوية، بل شكلت بعدا جديدا أُضيف إلى أشكال الاستغلال القائمة للأطفال في الأردن. فرغم اتساع حضور الأطفال على المنصات الرقمية وصناعة المحتوى، ما تزال عمالة الأطفال التقليدية تسجل حضوراً واضحاً في مختلف مناطق المملكة، وفق مؤشرات وزارة العمل، إذ أكد الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل محمد الزيود أن الوزارة تواصل تنفيذ حملات تفتيشية مكثفة في جميع المحافظات لمكافحة عمالة الأطفال والحد من انتشارها، مشيراً إلى أن الأرقام الرسمية خلال الأعوام الأخيرة تعكس استمرار الظاهرة رغم الجهود الرقابية المتواصلة. و وفقا لوزارة العمل فان الأردن من أوائل الدول التي صادقت على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي وهي اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولين التابعين لها والاتفاقيات التابعة لمنظمة العمل الدولية ( اتفاقية الحد الأدنى لسن الاستخدام رقم 138 ، و اتفاقية أسوأ أشكال عمل الأطفال 182) ،وتعتبر التشريعات الوطنية المتعلقة بمكافحة عمل الأطفال منسجمة انسجاماً تاماً مع الاتفاقيات الدولية، وأشارت نتائج مسح عمل الطفل الذي نفذ عام 2016 من قبل دائرة الإحصاءات العامة إلى أن عدد الأطفال بعمر ( 5 – 17 ) 4030384  في المملكة ، يعمل منهم 69661 طفلا، ويبلغ عدد الأطفال العاملين في أعمال خطرة حسب نتائج المسح 44917 طفل.

وأوضح الزيود أن عام 2023 شهد تسجيل 507 حالات عمل أطفال، وهو رقم مقارب لما تم ضبطه بعام 2024، لافتا الى ان الوزارة تعمل ضمن استراتيجية وطنية لمكافحة عمالة الاطفال التي تتضمن جلسات توعوية وزيارات ارشادية جلسات تثقيفية بالاضافة الى الحملات.

وتشير بيانات وزارة العمل الى انه في إطار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للحد من عمالة الأطفال، كثفت وزارة العمل خلال عام 2025 جهودها التوعوية والرقابية للحد من الظاهرة في مختلف محافظات المملكة، حيث نفذت كوادر الوزارة 8 أنشطة رئيسية لرفع الوعي المجتمعي بمخاطر عمالة الأطفال، واستهدفت 896 مدرسة وجامعة عبر برامج توعوية وورش تثقيفية للطلبة، إلى جانب تنفيذ 859 جلسة توعوية للأسر و896 ورشة مخصصة للطلبة لتعزيز الوعي بحقوق الطفل وأهمية التعليم. كما نفذت الوزارة في العام الماضي 4 حملات تفتيشية ميدانية شملت 6284 مؤسسة في مختلف القطاعات، فيما تعاملت فرق التفتيش مع 30 بلاغاً متعلقاً بعمالة الأطفال، وسجلت 105 مخالفات و55 إنذاراً بحق منشآت مخالفة، إضافة إلى تنفيذ 50 محاضرة توعوية ضمن برامج التثقيف المجتمعي الهادفة إلى حماية الأطفال والحد من استغلالهم اقتصادياً. بينما قالت رئيسة قسم تفتيش عمل الأطفال في وزارة العمل هيفاء درويش إن الوزارة نفذت خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 941 زيارة تفتيشية لمنشآت مختلفة، أسفرت عن اكتشاف 63 حالة طفل عامل، إضافة إلى تسجيل 24 مخالفة وتوجيه 66 إنذاراً بحق أصحاب العمل المخالفين، في إطار الجهود الحكومية المستمرة للحد من الظاهرة ومنع توسعها.

قانون صارم ولكن!

وأكد الخبير القانوني محمد الراشدة أن إجبار الأهل لطفلهم على العمل لا يعد شأناً عائلياً خاصاً، بل جريمة يعاقب عليها القانون الأردني، مشدداً على أن استغلال الأطفال في العمل القسري يُصنّف ضمن جرائم الاتجار بالبشر.

وبين أن قانون منع الاتجار بالبشر، ولا سيما المادة (3) منه، يعتبر استغلال من هم دون الثامنة عشرة في العمل القسري أو السخرة جريمة اتجار بالبشر، موضحاً أن العقوبات قد تصل إلى الأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن سبع سنوات، إضافة إلى غرامات مالية مغلظة، إذا ثبت وجود تهديد أو إكراه بهدف تحقيق منفعة مادية، مؤكداً أن القانون ينظر إلى الطفل في هذه الحالات بوصفه ضحية تستحق الحماية.

وفيما يتعلق بمسؤولية أصحاب العمل، أوضح الرواشدة أن قانون العمل الأردني يحظر تشغيل من لم يكمل السادسة عشرة من عمره وفق المادة (73)، مؤكداً أن صاحب العمل المخالف يُعاقب بغرامة تتراوح بين 300 و500 دينار عن كل حالة، مع مضاعفة العقوبة في حال التكرار ودون جواز تخفيضها عن حدها الأدنى.

وأشار الرواشدة إلى أن حرمان الطفل من التعليم يعد مخالفة قانونية أيضاً، لافتاً إلى أن قانون التربية والتعليم الأردني يفرض على ولي الأمر إلحاق طفله بالتعليم حتى سن السادسة عشرة، وفي حال الامتناع ينذر ولي الأمر رسمياً، وإذا استمرت المخالفة تُفرض عليه غرامة مالية قد تتراوح بين 100 و300 دينار، وقد يُحال الملف إلى الجهات المختصة بحماية الأسرة للنظر في شبهة الإهمال.

وأضاف أن أسوأ أشكال عمالة الأطفال وفق الأمم المتحدة محددة في المادة (3) من اتفاقية أسوأ أشكال عمل الأطفال، وتشمل العبودية أو الممارسات الشبيهة بها، واستغلال الأطفال في الدعارة أو المواد الإباحية، والأعمال الخطرة التي تضر بصحتهم أو نموهم الجسدي أو النفسي أو الأخلاقي، إضافة إلى الأعمال التي تعيق تعليمهم أو تمنعهم من المدرسة، مؤكداً أن هذا التعريف يشكل إطاراً قانونياً دولياً يُلزم الدول بتطبيق سياسات صارمة لحماية الأطفال ومنع استغلالهم.

وبيّن الرواشدة أن القانون الأردني لا يترك مسؤولية حماية الطفل من الاستغلال على صاحب العمل فقط، إذ تمنح المادة (21) من قانون حقوق الطفل الأردني لسنة 2022 الجهات المختصة الحق في اتخاذ إجراءات ضد من يعرض الطفل للاستغلال الاقتصادي، بما في ذلك إرغامه على العمل أو التسول، مؤكداً أن النص يشمل إلزام الأهل أو من يقوم برعاية الطفل بعدم إجباره على العمل، إضافة إلى إلزام الموظفين الرسميين ومفتشي العمل بالإبلاغ عن هذه الحالات واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لضمان حماية الطفل.

إن تجربة الطفل كامل تتجاوز فكرة الموهبة التي لفتت الأنظار في المجال الرياضي، لتفتح نقاشاً أوسع حول موقع الطفل في الفضاء الرقمي اليوم، حيث أصبح الأطفال قادرين على الوصول إلى منصات كانت في السابق حكراً على الكبار، غير أن هذا الحضور المبكر يضعهم أمام مسؤوليات وضغوط قد تتجاوز قدراتهم العمرية. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد على أن دعم الإبداع يجب ألا يتحول إلى باب من أبواب الاستغلال، وأن بقاء الطفل في بيئة آمنة نفسياً واجتماعياً هو أولوية لا يمكن تجاوزها.

ومع توسع ظاهرة صناعة المحتوى للأطفال، يمكن ربط هذه الحالة بمفهوم عمالة الأطفال بصيغته الحديثة، حيث لم تعد العمالة مقتصرة على الأشكال التقليدية، بل أصبحت تمتد إلى العمل الرقمي الذي قد يفرض على الطفل إنتاجاً مستمراً، والتزاماً يومياً، وضغوطاً تتعلق بالمشاهدات والتفاعل، بما يحرم الطفل من حقه في اللعب والراحة والنمو الطبيعي. وهنا يبرز مفهوم عمالة الأطفال بوصفه أي نشاط يُفقد الطفل طفولته أو يضع عليه عبئاً نفسياً أو اجتماعياً يفوق عمره، حتى وإن كان في صورة محتوى رقمي أو موهبة ظاهرة للعلن.

للإستماع الى التقرير كامل انقر هنا

https://www.youtube.com/watch?v=pD-UP962B_M

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى