نظام الإعلام الرقمي في الأردن… حماية للناس قبل أن يصبح “تشريعا ”

لنتحدث ببساطة: اليوم كل واحد منا يحمل في جيبه “منصة إعلام”. كلمة تُقال، خبر ينتشر، مقطع يثير ضجّة… وأحياناً الضرر يسبق الحقيقة. المشكلة أن الفضاء الرقمي أصبح يضم عملاً احترافياً، إعلانات، ترويجاً، مصالح مالية، ومحتوى مُعدّ بدقة ليؤثر… وكل ذلك قد يمرّ بلا معايير واضحة ولا مساءلة.
من هنا جاءت فكرة تنظيم الإعلام الرقمي لوضع ضوابط لـ“العمل الإعلامي الرقمي الاحترافي” تضمن بيئة شفافة وعادلة وحماية الملكية الفكرية.
النقطة الأساسية التي ينبغي أن تصل: الحكومة أوضحت أن النظام الجديد لا يطال الحسابات أو المحتوى الشخصي للمواطنين على وسائل التواصل. من يكتب رأيه أو تجربته أو يومياته أو ملاحظته… فذلك أمر عادي. أما من حوّل المنصة إلى عمل “منتظم” يدرّ دخلاً ويقدّم خدمات إنتاج أو إعلان أو ترويج للآخرين، فقد دخل السوق… والسوق يحتاج قواعد.
الدولة تريد رسم خط فاصل بين مسارين: مسار “النشر الشخصي والهواية” ومسار “النشاط الإعلامي الرقمي الاحترافي”. الفصل ليس ترفاً نظرياً؛ هو يقي الناس من الخلط المتعمّد بين الرأي والإعلان، بين الخبر والشائعة، وبين المحتوى الصادق والمحتوى المدفوع الثمن.
مجلس الوزراء وافق على الأسباب الموجبة لمشروع نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026 وأحاله إلى ديوان التشريع والرأي لاستكمال إجراءات نشره وتلقي الملاحظات. هذه رسالة مهمة: الأمر ليس “قراراً مفاجئاً” بل مسار تشريعي سيمر عبر قنواته الدستوريّة.
وطمأن مدير عام هيئة الإعلام كل صاحب مصلحة بتصريح: الهيئة أنهت صياغة النظام، وسيمرّ بمراحله التشريعية كاملة وتبدأ بعرضه على شركاء الهيئة ومتخصصين في مجالات التكنولوجيا والإعلام الرقمي لاستيعاب الملاحظات قبل اتخاذ الإجراءات الرسمية.
ما الربح للمواطن العادي؟
الفائدة الأولى: “الوضوح”. حين يوجد تنظيم يصبح من السهل معرفة: هل هذا إعلان؟ هل هذا ترويج مدفوع؟ هل هذا محتوى احترافي يتقاضى مقابلاً مادياً؟ الشفافية تقلّل الخداع، تحمي المستهلك، وتنظّف المنافسة.
الفائدة الثانية : «المسؤولية». الفضاء الرقمي ليس مجرد حروف تظهر على شاشة؛ أحياناً هو سمعة أشخاص، وأمان المجتمع، وثقة الاقتصاد، وراحة الناس. حين يُطبق إطار مهني، تُحدد المساءلة بدقة، ويصعُب على أي جهة أن تُضلّل دون أن تدفع الثمن.
الفائدة الثالثة: «حماية صانع المحتوى الجاد». كثيرون يرتدعون من كلمة «تنظيم » ويظنونها ضد المبدعين. العكس صحيح: التنظيم المتقن العادل يفتح باب حماية الملكية الفكرية ويخفض فوضى النسخ والسرقة، ويمنح صانع المحتوى صفة واضحة عند التعامل مع الشركات والمؤسسات.
الفائدة الرابعة ــ وهي الأهم اليوم ــ الذكاء الاصطناعي. مشكلتنا ليست مع التقنية، بل مع استخدامها دون إفصاح ودون أخلاق. لهذا السبب بات الحديث الرسمي عن تنظيم الإعلام الرقمي يربط بين ضبط التضليل وبناء بيئة رقمية آمنة.
ولمن يريد الصورة الأشمل: الأردن ليس حالة معزولة. العالم كله يعيد ترتيب فضائه الرقمي. الاتحاد الأوروبي مثلاً يتعامل مع «المنصات الضخمة جداً» وفق منطق الأثر: إذا تجاوزت عتبة 45 مليون مستخدم شهرياً داخل الاتحاد تُفرض عليها التزامات أشد لأن تأثيرها صار يطال المجتمع والديمقراطية. الفكرة بسيطة: كلما اتسع التأثير، ازدادت المسؤولية.
في النهاية، المسألة هي «حرية محفوظة» للنشر الشخصي… و«سوق منضبط» للعمل الاحترافي الذي يُمارس باسم الإعلام الرقمي. إذا أردنا هوية وطنية رقمية محترمة، فلا بد أن نبنيها على ثلاث كلمات: ثقة، وعي، مسؤولية. والوعي الحقيقي يكمن في التفريق بين حقك الطبيعي في الكلام… وبين مسؤولية من حوّل الكلام إلى صناعة وتأثير ودخل.
المهندس عبدالناصر عبيدات




