منسف الجمعة

عاطف أبو حجر
في الأردن، لا يبدأ يوم الجمعة بنداء المؤذّن، ولا ينتهي بخطبة الإمام فقط، بل يبدأ وينتهي بطقسٍ وطنيٍّ غير مُعلن اسمه: المنسف. هو ليس مجرّد وجبة، بل «مؤسسة سيادية» لها بروتوكولات وتراتبية وميزانية وحالة طوارئ، قد تتفوّق أحيانًا على اجتماعات الأمم المتحدة. فمن أراد أن يفهم المجتمع الأردني حقّ الفهم، فليقرأ المنسف، وسيجد فيه تاريخ البدو، وسياسة المدن، واقتصاد البيوت، وفلسفة التعامل مع الضيوف.
يبدأ نهار الجمعة حين ينهض الزوج استعدادًا للذهاب إلى المسجد، يراقب هيئته في المرآة وهو يشعر بثقل المسؤولية: ليس لأن الصلاة على وشك أن تفوته، بل لأن رحلة التزوّد بمستلزمات المنسف تنتظره بعد الخطبة. أما الزوجة، فهنا تبدأ «المعركة الاستراتيجية» الحقيقية؛ فبينما الزوج يتهيأ للدخول إلى المسجد، تكون هي قد دخلت في غرفة العمليات.
في أرجاء البيت تدور رحى العمل:
الغسّالة تدور دورتها الثالثة، والماتور يُصدر بيانًا صوتيًّا حول كمية الماء المتاحة، وغرف النوم تُرتّب بسرعة تُذكّر بالقوات الخاصة، وعلى المجلى تُصفّ الأواني كأنها طوابير عسكر أمام قائد صارم.
ثم تبدأ أهم خطوة: كتابة قائمة مستلزمات المنسف، القائمة التي لا يجوز فيها الخطأ ولا مجال للاجتهاد.
كيس رز «أبو حبّة طويلة».
لحم بلدي مقطّع بميزان الذهب، لا تزيد القطعة ولا تنقص عن أوقيّة، وعلى عدد أفراد العائلة، مع «قطعة زيادة» للطوارئ.
اللبن المخيض البلدي، ورأسا جميد لا أقل ولا أكثر؛ فالجميد في المنسف ليس مكوّنًا… بل عقيدة.
خبز الشراك المنتقى بعناية.
أما الصنوبر؛ فالله يرحم أيام زمان… اليوم «غالي»، فيُستعاض عنه باللوز المقطَّع قطعًا صغيرة.
يخرج الزوج من المسجد منتعشًا بعد الخطبة، وبدل أن يسأل نفسه عن مضمونها، يسأل: «من وين أجيب الجميد؟ ومن عند مين اللحم؟». ثم يبدأ الجولة الميدانية لجمع الغنائم، ويعود كفاتحٍ ظافر حاملاً أكياسًا تساوي قيمتها نصف الراتب.
وما إن يدخل البيت حتى تُعلن حالة الطوارئ القصوى في المطبخ.
تتحوّل الزوجة إلى قائد عسكري:
ـ «حُطّ اللبن هون… غسّل الرز… شغّل النار… لا تخلط… دير بالك عالطنجرة!»
وكأنها تدير منشأة نووية لا تحتمل الخطأ.
والزوج ينفّذ الأوامر بسرعة، خشية أن يُحال إلى «مجلس تحقيق».
وحين يحين وقت الغداء، تجتمع العائلة حول المنسف كما يجتمع الناس حول حدث وطني.
وتبدأ الأسئلة التقليدية التي لا تتغيّر:
ـ «بدّك معلقة يا أبو فلان ولا بتحب توكّل بيدك؟»
ـ «من عند مين جبت اللحم؟»
ـ «اللبن مرتب… شَرِب!»
ـ «ما ضل خبز شراك!»
ـ «بالله يمّه كاسة لبنية!»
ـ «فيه ناس بدّه كمان لحمة!»
ـ «وين البصل والمخلل؟»
ـ «وين الزيتون؟»
ـ «يمّه، فيه فجل؟»
ـ «فيه حدا بدّه أزيد له؟»
نفس الجمل، ونفس النبرة تتكرّر كل جمعة في بيوت الأردنيين، وكأننا أمام مسلسل أسبوعي لا يتغيّر منه شيء سوى حجم اللوز على وجه المنسف.
وهنا تأتي لحظة يسكت فيها الجميع، ولا تكاد تسمع إلا صوت المضغ والتلذّذ بطعم المنسف الطيب.
ويبقى المنسف سيّد المائدة الأردنية، لا ينافسه طبق ولا تزحزحه مناسبة، فهو الوجبة الوحيدة التي تتحول فيها العائلة إلى فريق متماسك، والزوجة إلى قائدة عمليات، والزوج إلى ممول رسمي للمشروع. أما قطعة اللحم الأخيرة، فتظل قضية عائلية مفتوحة، لا تُغلق إلا بتدخل الكبار أو بانتهاء اللبن!




