مقالات اقتصادية

عطا المشايخ يكتب :خلف ستار “السرية التامة”.. كيف تتسلل مافيا تجارة المواد الجنسية إلى بيوتنا؟

الرقم نيوز –  هناك تجارةٌ لا تجرؤ على الظهور في وضح النهار، ولا تملك الشجاعة لتضع اسمها الحقي فوق واجهاتها. تجارةٌ تتحرك في الظل، وتتسلل إلى الهواتف عبر حساباتٍ مجهولة ورسائلَ خاصةٍ عشوائية، متدثرةً بشعاراتٍ براقة مثل: “سرية تامة” و”توصيل حتى باب المنزل” و”خصوصية مضمونة”.
لكن خلف هذه العبارات الناعمة تختبئ أسئلةٌ صعبة لا يريد المروجون الإجابة عنها: من يقف خلف هذه الحسابات؟ وما مصدر هذه المنتجات؟ ومن يضمن سلامتها؟ والأهم من ذلك كله: لماذا تحتاج هذه التجارة إلى كل هذا القدر من التخفي؟

أولاً: عندما يصبح تغيير الاسم وسيلةً لإخفاء الحقيقة
يعمد بعض المروجين إلى تقديم هذه المنتجات تحت مسمياتٍ مخففة أو مضللة، في محاولةٍ لإبعادها عن حقيقتها وإكسابها مظهراً مقبولاً. غير أن تغيير المسمى لا يغيّر الجوهر، كما أن إعادة تغليف السلعة بعباراتٍ منمقة لا تمنحها شرعيةً أخلاقية أو قانونية.
فالمنتج الذي يخشى صاحبه تسميته باسمه الحقي يقدّم بنفسه دليلاً على إدراكه لحساسية ما يروج له ورفض شريحة واسعة من المجتمع له.

ثانياً: “السرية التامة”.. الوعد الذي يثير الريبة
يعتمد هذا النوع من التسويق على استدراج المستهلك عبر الإيحاء بأن العملية ستتم بعيداً عن أعين الجميع، وكأن السرية ذاتها أصبحت ميزةً تسويقية.
غير أن السؤال المنطقي يبقى: كيف يمكن الوثوق بجهةٍ مجهولة الهوية تعمل خارج الأطر الرسمية؟
فعندما يتعامل الفرد مع حساباتٍ غير معروفة، فإنه يضع بين أيديها بياناته الشخصية كاملةً: اسمه، ورقم هاتفه، وعنوان منزله، وربما معلوماتٍ أخرى أكثر حساسية. وهذه البيانات قد تتحول في أي لحظة إلى وسيلة ضغط أو ابتزاز أو استغلال، خصوصاً في ظل غياب أي جهةٍ رقابية أو مرجعية قانونية واضحة.
إن السرية في هذه المعادلة لا تبدو دائماً حمايةً للمستهلك، بقدر ما تبدو درعاً يحمي المروج نفسه من المساءلة والملاحقة.

ثالثاً: مخاطر تتجاوز حدود الشراء
لا تتوقف الإشكالية عند طبيعة المنتج فحسب، بل تمتد إلى ما قد يرافقه من مخاطر صحية واجتماعية وقانونية.
فكثيرٌ من المنتجات التي تُباع عبر هذه القنوات لا تحمل معلوماتٍ موثقة عن منشئها أو مكوناتها أو معايير تصنيعها، ما يجعل المستهلك عرضةً لاستخدام مواد مجهولة المصدر قد تترتب عليها آثار صحية غير متوقعة.
كما أن انتشار هذا النوع من التجارة يساهم في تطبيع سلوك الاستهلاك السري للمواد المشبوهة، ويمنح المروجين مساحةً أوسع للوصول إلى فئاتٍ عمرية مختلفة، بما فيها فئة الشباب والمراهقين، مستغلين فضولهم وضعف خبرتهم.
أما من الناحية القانونية، فإن تداول بعض المنتجات أو استيرادها أو ترويجها قد يخضع لأحكامٍ وأنظمة تختلف من دولةٍ إلى أخرى، وهو ما يستوجب التحقق من الوضع القانوني لأي منتج قبل الإقدام على شرائه أو ترويجه.

رابعاً: الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول
تزدهر هذه التجارة كلما ازداد الصمت حولها، وكلما تردد الناس في الإبلاغ عن ممارساتها أو التحذير منها.
ولذلك فإن المواجهة تبدأ من الوعي، ومن رفض منح هذه الحسابات فرصة الانتشار والتأثير. فكل عملية حظرٍ لحسابٍ مخالف، وكل بلاغٍ يتم تقديمه للجهات المختصة، تسهم في تضييق المساحة التي تتحرك فيها هذه الأنشطة المشبوهة.
إن حماية المجتمع ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد والأسرة وتنتهي عند الجهات الرقابية والتنفيذية.

بيتك حصنٌ للقيم لا بوابةٌ للمتاجرين بالخفاء
يبقى المنزل مساحةً للأمان والاستقرار والتربية، ومن حق كل أسرة أن تحمي هذه المساحة من أي نشاطٍ يحاول التسلل إليها عبر أبواب السرية والغموض والإغراء.
فالتاجر الذي يختبئ خلف شاشةٍ مجهولة، ويعتمد على التخفي أكثر من اعتماده على الشفافية، لا يستحق ثقة المستهلك، مهما كانت وعوده براقة أو مغرية.
ويبقى السؤال الذي يلخص المشهد بأكمله:
لو وصل هذا الطرد السري إلى منزلك، وفُتح بالخطأ أمام أسرتك أو وقع في يد أحد أبنائك، فهل ستشعر بالطمأنينة وأنت تشرح لهم محتواه؟

قد يكون الجواب عن هذا السؤال وحده كافياً لإعادة التفكير، وحذف الرسالة، وإغلاق الباب أمام تجارةٍ لا تعيش إلا في الظل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى