عبقرية الأغلبية الزائفة: حين يفكّر الجميع… بلا تفكير

عطا المشايخ
في خضم التدفق الهائل للمحتوى الرقمي المفرط لم يعد الصمت خيارًا، فعندما قرّرت الجموع أن تتكلم وفق حقها المشروع والكلام مباح، تتكلم الجموع بصوتٍ واحد، وكأنها اتقنت فنّ الاتفاق التام بمشهد مهيب تولدت عنه عبقرية رأي الأغلبية ,فما اجمل ان يجتمع ملاين البشر على رأي واحد قد يصبح قناعة مطلقة.
ماذا ….قناعة مطلقة !!!!! توقف قليلا ..اين انت ذاهب ؟؟؟
الفكرة بسيطة, اكتب شيئًا وانشره , أي شيء ليس مهما حتى لو كان اضغاث احلام او غاية في نفس يعقوب، ثم كرّر ما نشرت واترك المهمة الصعبة للآخرين , دع الآخرين يكرّرون روايتك بالإنابة عنك بعبقرية المشاركة الصامتة , دعهم يتفننون في تزيين ما كتبت او حتى تقبيحه .. ليس مهم , فقط المهم ان يتفاعلون مع محتواك وينشرون محتواك الفذ , مع كل إعادة نشر , مع كل تعليق , مع كل تفاعل ، ستلاحظ أنك اصبحت مصدر للحقيقة لا غبار عليه تحت مسمى “ترند” , كيف لا وقد حصدت ملايين المشاهدات والاعجابات ,لكن هل لاحظت أن الكائنة الخجولة الذي يُعرف بالحقيقة قد تراجعت ألاف الخطوات الى الخلف لتترك المسرح لانطباعٍ صاخب يرتدي ثياب اليقين بأغلبية الاجماع الزائف , عبقرية لا تحتاج إلى عقل، يكفيها فقط اتصال سريع بفضاء الإنترنت.
بعد هذه الاغلبية الزائفة لن يتوقف احد ليسأل: هل هذا صحيح؟
السؤال الأكثر عبقرية هو: كم عدد من شاهد ومن شارك ومن تفاعل ؟ , ومع هذه السؤال العبقري تم إعدام الحقيقة الخجولة تحت مشنقة الاغلبية الزائفة .
ثم يظهر علينا كائن برمجي غريب ورث كل خوارزميات الذكاء الاصطناعي ليميز محتواك انه المحتوى الرائع الفذ صانع القناعات ويتولى على عاتقه نشر محتواك ليصل الكائنات الفضائية في كافة مجرات المنصات الالكترونية ، حتى أن الخوارزميات العبقرية قد فهمتك أكثر مما تفهم نفسك، لا تريد الحقيقة ولا تكترث لها. هي فقط ترى ما تتفاعل معه. تضحك؟ ستعطيك المزيد مما يضحكك, تغضب؟ ستغرقك بما يثير غضبك , لكن اذا كنت تفكّر؟ حسنًا… هذه ليست صفة مدعومة حاليًا وعليك الانتظار الف سنة حتى تنهي الخوارزميات مهمتها العبقرية.
ايه الكائن الغريب قف وحيدًا في زاوية المنصة ولا تطرح علينا سؤالك الخبيث المعتاد (ماذا لو لم يكن هذا صحيحًا؟). سنعلمك الان درسًا سريعًا في آداب ألانسجام ولا تُفسد علينا الحفل بتفكيرك المزعوم هي حقيقة ولقد اتفقنا عليها، الم تشاهد احصائيات المشاهدات والتفاعل ؟ هل تكذب الارقام؟ اليست هذه الاغلبية ؟
نعم …نعم ، هي الاغلبية المطلقة كما تشير الارقام وهي اغلبية زائفة وليست صيغة اتفاق حقيقي، هي مجرد رأيًا متكررًا، فيظنونه اجمعاً، فينضمّون إليه، فيصبح أكثر تكرارًا… وهنا تكتمل الدائرة الأنيقة للوهم تحت وسام الترند الرقمي.
لكن، بعيدًا عن هذا الكرنفال، تقف الحقيقة التائه بهدوء، تراقب المشهد كمن شاهد هذه المسرحية من قبل. لا تصرخ، لا تنافس، ولا تدخل سباق الإعجابات. هي فقط تنتظر… شخصًا واحدًا يجرؤ أن يسأل: “كيف ولماذا؟”
في النهاية، قد لا يكون الخطر في أن تخطئ الأغلبية، فهذا يحدث منذ الأزل,الخطر الحقيقي هو أن تتوقف انت عن التفكير ..كن انت لسان الحقيقة حتى لو اثرت الانعزال عن اغلبية زائفة حتى لا يصبح الوهم هو الواقع الوحيد المتاح.




