صندوق الضمان مسار إستثماري يُحرك الإقتصاد

د. م. محمد الدباس
لا أقرأ مؤشرات مالية فقط في الأرقام المُعلنة حول أداء صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي مع نهاية الربع الأول من عام 2026 ، بل أقرأ فيها مساراً إستثمارياً يتشكل (بثقة) ليحرك عجلة الإقتصاد الوطني، حيث تجاوزت الموجودات حاجز 19.2 مليار دينار، بعد أن كانت عند 18.7 مليار مطلع العام، وهو دلالة على قدرة الصندوق على توليد نمو حقيقي خلال فترة قصيرة وبوتيرة متسارعة.
هذا النمو البالغ أكثر من نصف مليار دينار، لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة لإرتفاع الدخل الشامل إلى نحو 485.6 مليون دينار، مدعوماً بصافي دخل تشغيلي يقارب 253 مليون دينار، إضافة إلى مكاسب تقييمية لمحفظة الأسهم الإستراتيجية تجاوزت 230 مليون دينار. وهنا (تحديداً) يظهر بوضوح أن الصندوق لا يعتمد فقط على العوائد التقليدية، بل يستفيد أيضاً من ديناميكية السّوق وحسن توقيت الإستثمار.
عند تفكيك مصادر الدخل، يتضح أن محفظة السندات لا تزال تشكل العمود الفقري للإيرادات بقيمة 164 مليون دينار، وهو ما يعكس نهجاً محافظاً يضمن الاستقرار. في المقابل تساهم الأسهم وأدوات السوق النقدي بنحو 80 مليون دينار مجتمعة، ما يشير إلى تنويع مدروس يُوازن بين العائد والمخاطرة في ظل تقلبات السّوق.
لكن الرقم الذي يستحق التوقف عنده صراحة، هو التوقعات بتوزيعات نقدية تاريخية تتجاوز 200 مليون دينار. هذه ليست مجرد أرباح بل تدفقات نقدية حقيقية ستنعكس بشكل مباشر على قدرة الصندوق في إعادة ضخ الإستثمارات وتعزيز مركزه المالي.
في موازاة ذلك، يظل توزيع الموجودات مؤشراً على فلسفة إدارة المخاطر، حيث تستحوذ السندات على الحصة الأكبر بنسبة تقارب 57%، تليها الأسهم بنحو 21% ثم أدوات السوق النقدي. هذا التوزيع لا يعكس تحفظاً بقدر ما يعكس إنضباطاً، خاصة في ظل بيئة اقتصادية عالمية لا تزال تتسم بعدم اليقين. غير أن التحول الأهم، برأيي يكمن في تعاظم دور الصندوق في المشاريع الوطنية الكبرى مثل المساهمة بحصة 7% في مشروع سكة حديد العقبة، و15% في مشروع الناقل الوطني للمياه، وهذا يعكس انتقال الصندوق من (مستثمر) تقليدي إلى (شريك) تنموي. هذه المشاريع ليست فقط إستثمارات، بل أدوات لإعادة تشكيل البنية الإقتصادية.
خلاصة القول، إن صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي يقف اليوم عند نقطة توازن دقيقة بين تعظيم العوائد والحفاظ على الاستدامة. الأرقام (إيجابية) لكن الأهم هو (الاتجاه)؛ إتجاه نحو إستثمار منتج وشراكات إستراتيجية، ودور إقتصادي أعمق. وإذا استمر هذا النهج بنفس القدر من الانضباط والجرأة، فإن الصندوق لن يكون فقط حامياً لمدخرات الأردنيين، بل (محركاً) رئيسياً للنمو الإقتصادي في قادم الأيام




