
بدأ رسام الكاريكاتير بريندان لوبر يتلقى رسائل من أشخاص اعتقدوا أنه صاحب رسم كاريكاتيري انتشر عبر الإنترنت. فقد ظهر اسمه الفني على الرسم، لكن الصورة كانت في الحقيقة مولّدة باستخدام «شات جي بي تي».
ووثّق موقع «نيمان لاب» ظهور توقيعات تعود إلى أكثر من 15 رساماً من المساهمين في مجلة «نيويوركر» على رسوم كاريكاتيرية أُنتجت بالذكاء الاصطناعي.
ويمكن لهذه الأسماء أن تمنح الصور المتداولة عبر الإنترنت مصداقية زائفة، إذ تبدو وكأنها تحمل توقيعات أصحابها الحقيقيين، رغم أن الفنانين لم يشاركوا في إنتاجها.
ومن بين الأمثلة رسم كاريكاتيري أنشأه «شات جي بي تي» وانتشر على الإنترنت حاملاً توقيع «بلوبر»، وهو الاسم الفني الذي يستخدمه رسام مجلة «نيويوركر» بريندان لوبر، رغم أنه لم يرسم الصورة أو يوقّع عليها.
لماذا يثير تقليد التوقيعات القلق؟
قالت رسامة الكاريكاتير إميلي فليك لموقع «نيمان لاب» إن الرسومات التي ظهرت حاملة اسمها الفني بدت وكأنها مزيج من أساليب عدة فنانين، لكن التوقيع الموجود عليها كان مطابقاً بصورة يمكن التعرف إليها لتوقيعها الحقيقي.
وكانت شركة «أوبن إيه آي» قد أوضحت في عام 2025 أن «شات جي بي تي» يستطيع محاكاة الأسلوب الفني لاستوديو معين، لكنه لا يستطيع تقليد الأسلوب الخاص بفنان بعينه.
غير أن استنساخ توقيعات الفنانين يثير إشكالية مختلفة تتعلق بحقوق نسبة الأعمال الفنية إلى أصحابها.
فالمشكلة لا تقتصر على تقليد أسلوب الرسم، بل تمتد إلى ربط اسم فنان بمحتوى ساخر لم يكتبه أو يرسمه.
وقد لا يتمكن الشخص الذي يعيد نشر الصورة من الاطلاع على التعليمات الأصلية المستخدمة لإنشائها عبر «شات جي بي تي»، في حين يجد الفنان الذي يظهر اسمه عليها نفسه مضطراً إلى الإجابة عن أسئلة تتعلق بعمل لا علاقة له به.
وهذا ما حدث بالفعل مع بريندان لوبر.
هل نجحت إجراءات الحماية في منع تقليد التوقيعات؟
بعد أن أثار موقع «نيمان لاب» القضية، بدأ «شات جي بي تي» يعرض تحذيرات تفيد بأن طلبات إنشاء رسوم كاريكاتيرية بأسلوب مجلة «نيويوركر» قد تتعارض مع قواعده المتعلقة بالتشابه مع المحتوى المملوك لأطراف أخرى.
لكن هذه التحذيرات لم تنه المشكلة، إذ تمكن الموقع من إنشاء رسوم كاريكاتيرية أخرى تحمل أسماء فنانين حقيقيين.
من جانبها، أكدت شركة «أوبن إيه آي» أنها ترحب بتلقي البلاغات المتعلقة بالسلوك غير المقصود لنماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها.
وتعيد هذه القضية إلى الأذهان مشكلة منفصلة تتعلق بإجراءات حماية توليد الصور في «شات جي بي تي»، ظهرت في يونيو الماضي، واستمرت حتى بعد إدخال الشركة تعديلات لمعالجتها.
فقد اكتشف باحثون أن إجراء تغييرات طفيفة على التعليمات النصية كان لا يزال يسمح بتجاوز بعض القيود المفروضة على توليد الصور.
ولا تزال الطريقة التي تمكّنت بها أداة توليد الصور من إعادة إنتاج توقيعات رسامي الكاريكاتير غير واضحة.
وكانت شركة «كوندي ناست»، المالكة لمجلة «نيويوركر»، قد وقّعت اتفاقية تتعلق بالمحتوى مع شركة «أوبن إيه آي» في عام 2024.
لكن المجلة أكدت أنها لم تمنح ترخيصاً لاستخدام رسومها الكاريكاتيرية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، امتنعت شركة «أوبن إيه آي» عن توضيح كيفية ظهور أسماء الفنانين الحقيقيين في الصور التي تنتجها أدواتها.
كيف يمكن للقراء التحقق من هوية الرسام؟
توفر شركة «أوبن إيه آي» أداة عامة للتحقق من الصور، تعمل على البحث عن مؤشرات مرتبطة بالمحتوى الذي أُنشئ باستخدام منتجاتها.
وقد يساعد العثور على هذه المؤشرات في تحديد ما إذا كانت الصورة قد أُنتجت باستخدام أدوات الشركة، لكنه لا يثبت أن الفنان الذي يظهر اسمه على الرسم هو من أنجزه أو وافق على نشره.
وفي المقابل، فإن عدم العثور على مؤشرات تدل على استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أن الصورة من إنتاج بشري.
فقد تؤدي إعادة مشاركة الصور أو تعديلها إلى إزالة بياناتها الوصفية، أو جعل العلامات الرقمية المائية المضمّنة فيها أكثر صعوبة في الاكتشاف.
كما تختلف فعالية أدوات التحقق باختلاف توقيت إنشاء الصورة والطريقة المستخدمة في إنتاجها.
ولهذا، إذا صادف القراء رسماً كاريكاتيرياً يحمل توقيع فنان معروف، فمن الأفضل البحث عنه في ملف أعمال الفنان أو الأرشيف الرسمي للمؤسسة الإعلامية التي ينشر فيها، قبل نسب العمل إليه.
وتسلط هذه القضية الضوء على تحدٍّ جديد يفرضه الذكاء الاصطناعي على الأوساط الفنية والإعلامية، إذ لم تعد المشكلة محصورة في قدرة الأدوات على محاكاة الأساليب الإبداعية، بل أصبحت تشمل أيضاً إمكانية إضفاء هوية مزيفة على الأعمال المولّدة آلياً، من خلال استخدام أسماء وتوقيعات فنانين حقيقيين دون مشاركتهم.



