مقالات اقتصادية

د. حمد الكساسبة يكتب: صكوك أمانة عمّان: بوابة جديدة لتمويل البلديات والتنمية المحلية

مع ارتفاع كلفة التمويل وزيادة حاجة المدن إلى مشاريع بنية تحتية وخدمات أفضل، لم يعد تمويل البلديات مجرد موضوع سيولة أو قروض. السؤال اليوم أصبح: كيف يمكن تخفيف كلفة الدين، وتنويع مصادر التمويل، وتوجيه جزء أكبر من الموارد إلى مشاريع تنموية؟ من هنا تأتي أهمية خطوة أمانة عمّان الكبرى بإصدار صكوك إسلامية بقيمة 400 مليون دينار، في تجربة قد تفتح باباً جديداً أمام تمويل البلديات في الأردن.

الإصدار هو الأول من نوعه لمؤسسة بلدية عامة في المملكة، وسيكون بصيغة الإجارة المنتهية بالتمليك، بعائد سنوي يبلغ 5.5% ولمدة خمس سنوات. وبشكل مبسط، ترتبط الصكوك بأصول أو منافع محددة، ما يسمح بالاستفادة من قيمة الأصول ضمن طريقة تمويل منظمة، بدلاً من الاعتماد فقط على القروض التقليدية.

الفائدة الأهم هنا هي تخفيف كلفة خدمة الدين. فالتقديرات الرسمية تشير إلى وفر يقارب 70 مليون دينار خلال السنوات الخمس الأولى، وقد يرتفع مع مرور الوقت. أهمية هذا الوفر لا تكمن فقط في الرقم، بل في إمكانية استخدام جزء من الأموال التي كانت تذهب لخدمة الدين في النقل والبنية التحتية والخدمات والمشاريع الرأسمالية. وهنا يصبح تخفيض كلفة التمويل وسيلة لتحسين الخدمات، وليس مجرد تعديل في شكل الدين.

كما تفتح الصكوك الباب أمام مستثمرين أكثر تنوعاً، مثل البنوك الإسلامية وشركات التأمين وصناديق الاستثمار والادخار والتقاعد. وهذا يقلل الاعتماد على التمويل المصرفي المباشر، ويعطي البلديات والمؤسسات العامة خيارات أوسع. وإذا نجحت التجربة، يمكن التفكير مستقبلاً في استخدامها لدى مؤسسات لديها أصول منتجة أو إيرادات مستقرة، بحيث يرتبط التمويل بشكل أكبر بقدرة المشروع على تحقيق دخل واستدامة مالية.

التجارب الدولية تعطي مؤشرات مفيدة في هذا المجال. فدول مثل ماليزيا استخدمت أدوات تمويل مرتبطة بالأصول والإيرادات، كما عملت إندونيسيا على تطوير أدوات لتمويل الحكومات المحلية. لكن نجاح هذه الأدوات لا يعتمد على الصكوك نفسها فقط، بل على قوة الإيرادات، وجودة الإدارة المالية، والوضوح في الإفصاح والحوكمة.

ومن ناحية سوق رأس المال، فإن دخول جهة بحجم أمانة عمّان إلى سوق الصكوك يضيف نوعاً جديداً من جهات الإصدار، ويوفر أداة استثمار مختلفة للمستثمرين. وإذا تكررت مثل هذه الإصدارات ونجحت، فقد تتوسع سوق أدوات الدخل الثابت في الأردن، ويتجه جزء أكبر من المدخرات المحلية إلى تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية المحلية.

لكن الصكوك، في النهاية، ليست حلاً سحرياً. فهي تعيد ترتيب الالتزامات وتخفض كلفة التمويل، لكنها لا تلغي الدين. ولهذا تبقى قدرة الجهة المصدرة على توفير التدفقات اللازمة للسداد، وجودة الأصول، وإدارة الاستحقاقات أموراً أساسية. والمشكلة لا تكون في الصكوك نفسها، بل عندما تستخدم لتمويل مشروع ضعيف أو فقط لتأجيل مشكلة مالية من دون معالجة أسبابها.

في المحصلة، أهمية صكوك أمانة عمّان لا ترتبط فقط بحجم الإصدار، بل بما يمكن أن تؤسس له مستقبلاً. فإذا نجحت التجربة في تخفيض كلفة التمويل، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتحويل جزء من الوفر إلى مشاريع وخدمات يلمسها المواطن، فقد تصبح نموذجاً يمكن البناء عليه لتوفير خيارات تمويل أكثر تنوعاً للبلديات والمؤسسات العامة، وربط جزء أكبر من المدخرات المحلية بالتنمية والبنية التحتية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى