العمالة والتشغيل في الأردن: حماية الفرص واستدامة الاقتصاد

م. سعيد المصري
* الجزء الثاني من ثلاثة: كلفة العمالة — تنافسية المنتج واستقرار الأسرة
ناقشت في الجزء الأول لماذا لا تعني كثرة العمالة الوافدة إمكان إحلال المتعطلين الأردنيين مكانها بصورة تلقائية؛ فالمطابقة تتطلب النظر إلى المهارات والأجور والموقع وظروف العمل. وفي هذا الجزء أنتقل إلى جانب مكمل: من يتحمل كلفة تنظيم العمالة، وكيف تنعكس على تنافسية المنتج وقدرة الأسرة الأردنية على الاستمرار في العمل؟ فحماية فرص الأردنيين تستلزم فهم الشروط الاقتصادية التي تتيح نشوء هذه الفرص واستمرارها.
عندما تُرفع رسوم التصاريح أو الاستقدام، أو تُفرض ترتيبات جديدة للإحلال، لا تبقى آثار القرار محصورة في العلاقة بين الوزارة والعامل الوافد. إنها تنتقل إلى حسابات المصنع والمزرعة والمنشأة الخدمية، ثم قد تنعكس على سعر السلعة والخدمة، وربحية النشاط، وقدرته على الاحتفاظ بالعاملين والتوسع في تشغيل آخرين. وقد تصل مباشرة إلى أسرة أردنية موظفة تحتاج إلى مساعدة منزلية كي يتمكن أفرادها من مواصلة العمل.
ولهذا لا تكفي مقارنة راتب العامل الأردني براتب غير الأردني للحكم على كلفة تشغيلهما. فالكلفة الكلية قد تشمل التصاريح والاستقدام والسكن والنقل والتأمين والتدريب، إلى جانب كلفة تبدّل العاملين أو تعطل الإنتاج عند نقصهم. وتختلف هذه العناصر بين المهن والمنشآت وترتيبات التشغيل، فلا يصح افتراض أن إحدى الفئتين أقل كلفة دائمًا.
والمعيار الاقتصادي الأهم هو كلفة العمل بالنسبة إلى ما ينتجه من سلعة أو خدمة بالمستوى المطلوب من الجودة. فقد يكون العامل الأعلى أجرًا أقل كلفة للوحدة المنتجة بفضل مهارته وإنتاجيته، وقد تبدو عمالة أخرى منخفضة الأجر قبل احتساب تكاليف استقدامها وإدارتها. كما أن الإنتاجية تتأثر بالمعدات والتنظيم والإدارة؛ فلا يجوز تحميل العامل مسؤولية ضعفها كاملة.
وتزداد حساسية الكلفة لدى المنتج الأردني الذي ينافس في أسواق التصدير. فالمشتري الخارجي يقارن السعر والجودة والموعد والموثوقية، ولا يدفع تلقائيًا سعرًا أعلى لأن تكاليف المنتج ارتفعت بقرار محلي. وينطبق جانب من ذلك على المنشآت التي تنافس السلع المستوردة داخل المملكة؛ إذ قد يختار المستهلك البديل الأرخص عندما تتقارب الجودة.
إذا ارتفعت كلفة التشغيل دون تحسن مقابل في الإنتاجية، فقد تتحمل المنشأة الزيادة من أرباحها، أو ترفع السعر حيث تستطيع، أو تؤجل الاستثمار، أو تقلّص نشاطها. وهذه احتمالات تتفاوت بحسب القطاع وحصة العمالة من الكلفة وشدة المنافسة. ولذلك لا يصح القول إن كل زيادة تهدد المنشآت، ولا افتراض أنها قادرة دائمًا على استيعابها.
ومن هنا، فإن تقييم سياسة الإحلال يجب أن يتجاوز عدد الأردنيين الذين عُيّنوا مباشرة، إلى صافي أثرها في التشغيل والإنتاج. فقد تنجح منشأة في تدريب أردنيين وتوسيع أعمالها، بينما تواجه أخرى نقصًا لا تستطيع تعويضه سريعًا. والسياسة الجيدة تميّز بين الحالتين، وتربط الإحلال بالتأهيل وتطوير وسائل الإنتاج وفترة انتقال واقعية.
ولا يعني مراعاة التنافسية تثبيت الأجور عند مستويات متدنية، أو إعفاء صاحب العمل من تحسين شروط التشغيل. فاستدامة التنافسية تحتاج إلى استثمار في المهارة والتقنية والإدارة، وتوزيع منصف لمكاسب الإنتاجية. كما أن المنشأة الملتزمة تتضرر حين ينافسها مشغّل يخفض كلفته بتجاوز حقوق العمال أو تشغيلهم بصورة مخالفة؛ ولذلك فإن عدالة الإنفاذ جزء من عدالة المنافسة.
ويمتد هذا المنطق إلى الأسرة العاملة. فكثير ممن يستخدمون عاملة منزلية أو خدمات رعاية وتنظيف هم موظفون يعتمدون على رواتب محددة، ولا يملكون تعديل دخولهم كلما ارتفعت كلفة الخدمة. وقد يعمل الزوجان خارج المنزل لساعات طويلة، مع وقت إضافي للتنقل، بينما يحتاج الأطفال أو كبار السن أو أفراد الأسرة ذوو الإعاقة إلى رعاية ومساندة.
في هذه الحالات، لا يصح افتراض أن المساعدة المنزلية ترف. فقد تكون ضرورة تتيح للأسرة كسب دخلها والمحافظة على مستوى معيشتها. ويتوقف ذلك على احتياجاتها وساعات غياب أفرادها والبدائل المتاحة، مع مراعاة أن الرعاية المتخصصة تحتاج إلى تأهيل مناسب، ولا يمكن إسناد كل مهامها إلى أي عامل منزلي.
وتؤيد الدراسات الخاصة بالأردن أهمية هذه العلاقة؛ إذ يبيّن البنك الدولي أن محدودية الوصول إلى خدمات رعاية جيدة وميسورة الكلفة تعوق مشاركة النساء الاقتصادية، وأن توسيع هذه الخدمات يمكن أن يتيح لهن العمل، ويخلق وظائف إضافية في قطاع الرعاية نفسه. فخدمة الرعاية تدعم تشغيل مقدمها، وتساعد المستفيد منها على الاحتفاظ بعمله أيضًا. [١]
وعندما ترتفع كلفة المساعدة المنزلية أو رعاية الأطفال بدرجة كبيرة، قد تتراجع المنفعة المالية التي تحققها الأسرة من استمرار أحد الزوجين في العمل، بعد احتساب الرعاية والنقل وسائر النفقات المرتبطة بالوظيفة. وقد يدفع ذلك إلى تقليل ساعات العمل أو الانسحاب منه، بما يترتب عليه من خسارة دخل وخبرة وفرص تقدم مهني. وهذه نتيجة محتملة يجب قياسها قبل اعتماد سياسة يُفترض أنها تدعم التشغيل.
كذلك يتحمل سكان العمارات كلفة الحراسة والخدمة والصيانة عبر اشتراكاتهم، وبينهم موظفون ومتقاعدون وأصحاب دخول محدودة. ولذلك فإن القرارات المتعلقة بهذه المهن لا تمس أصحاب الأعمال وحدهم؛ فقد يتأثر بها الموظف داخل مكان عمله، ثم يتحمل أثرًا آخر في نفقات منزله.
لكن ميسورية الخدمة للأسرة يجب أن تتوافق مع أجر عادل ووقت راحة وظروف سليمة لمن يقدمها. فالعامل المنزلي بدوره يعتمد على دخله لإعالة نفسه وأسرته. والمطلوب معالجة الكلفة التي لا تضيف قيمة، وتوسيع البدائل، بدل حل ضيق دخل أسرة على حساب حقوق عامل آخر.
ولهذا ينبغي تفكيك فاتورة الخدمة: كم يصل منها إلى العامل؟ وكم يذهب إلى الاستقدام والوساطة والرسوم؟ وهل تنشأ بعض الزيادات عن إجراءات معقدة أو ضعف المنافسة أو التعامل مع وسطاء غير منضبطين؟ فخفض هذه الأعباء قد يجعل الخدمة أكثر ميسورية، دون خفض أجر العامل.
كما يمكن توسيع خيارات الأسر عبر الحضانات والرعاية النهارية والخدمات المنزلية المرخصة بالساعات، ومساندة أصحاب العمل لترتيبات الرعاية الملائمة. ولن يناسب بديل واحد جميع الأسر؛ فالاحتياجات تختلف بحسب العمر والحالة الصحية والموقع وساعات العمل. ولذلك ينبغي أن تتيح السياسة تنوعًا في الخدمات، مع ضمان الجودة والحماية للعامل والمستفيد.
وبالمثل، لا ينبغي تقييم زيادة الرسوم بحصيلتها الحكومية وحدها. فالحصيلة الإضافية قد تقابلها كلفة أعلى على الإنتاج أو الأسرة، وقد يتوزع العبء بين صاحب العمل والعامل والمستهلك بحسب ظروف السوق. ومن الضروري التمييز بين رسم يمول خدمة تنظيمية، وعقوبة تردع مخالفة، وأداة تستهدف تعديل الطلب على العمالة؛ فلكل منها غاية ينبغي اختبار تحققها.
إن أولوية تشغيل الأردني تحتاج إلى منشأة قادرة على المنافسة، وأسرة تستطيع الاستمرار في العمل، وعامل يحصل على شروط منصفة. ولتحقيق هذا التوازن، نحتاج إلى دراسات للكلفة بحسب القطاع ونوع الأسرة، ومتابعة فعلية لنتائج القرارات في الإنتاج والأسعار والتشغيل، حتى لا نكتفي بإعلان هدف محمود دون التحقق من أثره.
غير أن هذه الموازنة تجري في سوق تتغير وظائفه وأدواته. فالذكاء الاصطناعي والأتمتة سيؤثران في الإنتاجية والمهارات المطلوبة وكلفة أداء المهام. ولذلك ينتقل الجزء الثالث إلى مستقبل العمل: كيف نهيئ الأردنيين لهذا التحول، وكيف نعيد تقدير احتياجات الاقتصاد من العمالة المحلية والوافدة في ضوء الوظائف التي ستتغير، والفرص التي يمكن أن تنشأ؟
المراجع
[١] البنك الدولي، التقرير الثاني عن حالة المرأة في المشرق: «من يهتم؟» أعمال الرعاية ونتائج سوق العمل للنساء في العراق والأردن ولبنان.




