من الممرات إلى منشآت الطاقة.. “الفوضى المتزامنة” تتسع في المنطقة

الرقم نيوز – على امتداد خريطة المنطقة، تتقاطع خطوط النار من مضيق هرمز وباب المندب، مرورا بالسعودية، وصولا إلى غزة والضفة الغربية ولبنان، في توقيت واحد يضع المنطقة أمام مشهد بالغ التعقيد.
فكل جبهة تحمل تداعياتها إلى الأخرى، وكل تصعيد يفتح مساحة جديدة للضغط والرد، فيما تنتقل المواجهة تدريجيا من ساحات القتال إلى الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية، في مؤشر على ملامح “فوضى متزامنة”، يصعب احتواء مساراتها كل على حدة.
ووفق تحليلات خبراء سياسيين وإستراتيجيين، في تصريحاتهم لـ”الغد”، فإن تزامن هذه الجبهات لا يبدو مجرد تقاطع زمني، بل يعكس تشابكا متزايدا في أدوات الضغط والحسابات الإقليمية، بحيث يمكن للتصعيد في هرمز، أن يرفع كلفة الطاقة والملاحة، فيما يوسع استهداف المنشآت السعودية دائرة المخاطر، بالتوازي مع استمرار تصعيد الكيان الصهيوني في المشرق.
ويبرز استهداف البنية التحتية للطاقة، باعتباره تطورا نوعيا في المواجهة، كون أثره لا يتوقف عند الهدف المباشر، بل يمتد إلى الإنتاج والتصدير والنقل والأسواق وسلاسل الإمداد، بحسبهم.
وأشار الخبراء إلى أن تهديد الممرات البحرية لا يتطلب بالضرورة إغلاقها فعليا؛ فمجرد رفع مخاطر الملاحة كفيل بزيادة كلف التأمين والشحن والطاقة، وتوسيع التداعيات الاقتصادية للصراع.
ورأوا أن هذا التشابك، يضعف فرص احتواء الجبهات بصورة منفردة ويزيد تعقيد المسار السياسي، ما يجعل الحاجة أكبر إلى مسارات تفاوض متوازية، تتعامل مع الملفات المترابطة، بالتوازي مع حماية منشآت الطاقة والممرات الحيوية، قبل أن يتحول التصعيد المتزامن إلى واقع إقليمي يصعب ضبطه.
وفي ظل هذا التداخل بين مسارات التصعيد، أكد الخبير د. نضال أبو زيد، أن ما يجري اليوم من تصعيد متبادل، ليس معزولا عن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سواء في الولايات المتحدة أو في الكيان، مشيرا إلى أن الطرفين الصهيوني والإيراني “يعاني كل منهما من هجمات داخلية” دفعتهما إلى تصدير أزماتهما الداخلية عبر التصعيد الخارجي.
ولفت أبو زيد إلى أن رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو “يفقد الزخم الشعبي” قبل الانتخابات المقبلة، ما جعله يبحث عن “إنجاز عسكري يمكن أن يستثمر به سياسيا”، بعدما كبحت المفاوضات الدبلوماسية الجارية في جنوب لبنان اندفاعه نحو تلك الجبهة، فاتجه بدلا من ذلك إلى الضفة والعمليات الانتقائية بغزة.
أما على الجانب الإيراني، فربط أبو زيد التصعيد المرتقب مباشرة بالتقويم الانتخابي الأميركي والإسرائيلي معا، مبينا أن طهران التي ترزح تحت وطأة “العقوبات المالية” التي “باتت ترهق الشارع”، متجهة إلى عمليات عسكرية “قد تحدث خلال الأيام القليلة المقبلة”.
واعتبر أن المنطقة “أمام فترة صعيد قد تسبق انتخابات الكيان”، أي في المدى الممتد بين نهاية تشرين الأول (أكتوبر) ومنتصف تشرين الثاني (نوفمبر)، بما يوازي أيضا موعد الانتخابات الأميركية النصفية في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر).
وهذا التزامن، بحسب قراءته، ليس صدفة بل مؤشر على أن “الجانب الإيراني قد يذهب للتصعيد من اجل تفريغ وتصدير الأزمات الداخلية”.
أما عن أوراق الضغط التي تملكها إيران فعليا، فرأى أبو زيد، أنها تتآكل واحدة تلو الأخرى؛ فـ”ورقة الوكلاء” بدأت تتراجع مع تسليم أسلحة الميليشيات في العراق، وحزب الله بات “منهكا مرهقا مثقلا بالخسائر”.
وفي ظل تراجع هذه الورقة، اعتبر أبو زيد أن طهران دفعت بورقتها الوحيدة المتبقية إقليميا، وهي الحوثيون، نحو التصعيد باتجاه باب المندب، في محاولة لرسم “قوس جغرافي يبدأ من باب المندب إلى مضيق هرمز” يعوض فقدان أوراق أخرى، من بينها “ورقة حروب السرديات والاستقطاب الرقمي” التي يقول إنها سقطت بعدما “كشف الغطاء والستار عن حقيقة الأيديولوجية الإيرانية” أمام الشارع العربي.
ولم يبق فعليا سوى ورقة مضيق هرمز، وهي بدورها “بدأ الجانب الأميركي يسحبها” من يد إيران، وهو ما يفسر، بحسبه، اندفاع طهران لتعزيز موقعها التفاوضي عبر خلق الفوضى واستهداف مصالح إقليمية، بما في ذلك ما وصفه باستهداف الأراضي السعودية.
ولم يغفل أبو زيد الانقسام الداخلي داخل مراكز القرار الإيرانية، غير أن هذا التيار العقلاني في هذه المراكز، يصطدم، بحسبه، بتعنت التيار المتشدد في الحرس الثوري، وعلى رأسه رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، الذي يريد تحقيق انتصار “بالقوة العسكرية وليس بالقوى الدبلوماسية”.
وبحسب قراءة أبو زيد، فإن إيران تدير معركتها الحالية بمنطق مزدوج؛ عسكري يهدف إلى تعويض خسارة أوراق الوكلاء والسرديات، وسياسي انتخابي يراهن على تزامن التصعيد مع الاستحقاقات الانتخابية في واشنطن والكيان، في وقت يقف فيه صناع القرار الإيرانيون بين خياري التهدئة الدبلوماسية والمواجهة العسكرية المفتوحة.
وتكتسب هذه المخاطر بعدا أكثر تعقيدا مع تزامن التصعيد على أكثر من جبهة، من الخليج إلى المشرق، إذ وصف الخبير د. عامر السبايلة، محاولات استهداف المنشآت السعودية، بأنها تعبير عن أوراق إيرانية آخذة في النضوب، مؤكدا أنها “في النهاية محدودة التأثير وغير قادرة على الاستمرار”، سواء من حيث “مخزون صواريخ” الحوثيين أو قدرة هذه الجبهة على مواصلة التصعيد، خصوصا في ظل “تطور المعركة على الأرض باستهدافهم”.
وانتقل السبايلة إلى قراءة المشهد الإقليمي الأوسع، معتبرا أن هناك “استحقاقا طبيعيا” لمسار عزل إيران ونقل الأزمة إلى داخلها، في وقت تحاول فيه طهران “تفعيل ما تبقى لها من وكلاء”، وهو ما ينطبق أيضا على حزب الله الذي يواجه اليوم، بحسب وصفه، “اكبر ضربات توجه له”.
ورأى السبايلة أن جبهتي لبنان والعراق باتتا تشكلان “اساسيات” المعادلة الحالية، خصوصا مع احتواء جبهتي غزة والضفة إلى حد كبير، إضافة إلى ما وصفه بـ”خروج سورية من المعادلة” كعامل إضافي أعاد رسم موازين النفوذ الإيراني في المنطقة.
كما أشار إلى استحقاق آخر قريب يتمثل بموعد 30 أيلول (سبتمبر)، الذي سيكشف كيفية التعامل مع بعض الفصائل العراقية التي لا تزال ترفض تسليم سلاحها، معتبرا أن هذه المرحلة تسبق فعليا “تعميق الأزمة في الداخل الإيراني”، متوقعا بأن يتجه مسار المواجهة تدريجيا نحو استهداف إيران “على الأرض الإيرانية وليس في أماكن أخرى”.
ويأتي ذلك في وقت تتزامن فيه بؤر التوتر الإقليمي على نحو لافت، إذ حذر الخبير د. بشير الدعجة، من أن ما تشهده المنطقة لم يعد مجرد أزمات منفصلة تزامنت زمنيا، وإنما بات مشهدا أمنيا إقليميا شديد التعقيد، تتقاطع فيه المواجهة الأميركية – الإيرانية في الخليج ومضيق هرمز، والتصعيد الحوثي ضد السعودية ومنشآت الطاقة، إلى جانب عمليات الكيان الممتدة في غزة والضفة ولبنان.
وقال الدعجة، إن المصطلح الأدق لوصف هذا المشهد هو “الفوضى المتزامنة”، موضحا بأن المنطقة لم تعد أمام أزمة واحدة يمكن احتواؤها باتفاق منفرد، بل أمام أزمات مترابطة تتغذى سياسيا وأمنيا واقتصاديا من بعضها، بحيث يتيح تصعيد أي جبهة للأطراف الأخرى مبررات ومساحات إضافية للتصعيد.
وأضاف أن خطورة المشهد تتضاعف مع وقوع هذه الجبهات فوق عقد استراتيجية حساسة، من هرمز في الخليج إلى باب المندب والبحر الأحمر، وصولا إلى المشرق العربي، ما جعل خطوط الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي مترابطة بصورة غير مسبوقة.
وأشار الدعجة، إلى أن التطور الأبرز يتمثل بانتقال الضربات للبنية التحتية الاقتصادية والطاقة السعودية، معتبرا أن استهداف منشأة طاقة يختلف استراتيجيا عن استهداف موقع عسكري، كون المنشآت النفطية مرتبطة بالإنتاج والتصدير والأسواق والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد.
وقال إن “الصاروخ أو الطائرة المسيّرة التي تستهدف منشأة نفطية لا تضرب منشأة محلية فقط، بل تضرب جزءا من منظومة اقتصادية إقليمية ودولية”.
ورأى أن الطاقة تحولت إلى واحدة من أهم أدوات الضغط في الحرب الإقليمية، إذ تمتلك إيران ورقة هرمز، فيما يستطيع الحوثيون تهديد باب المندب والبحر الأحمر واستهداف الأراضي والمنشآت السعودية، بينما تمتلك دول الخليج ثقلا كبيرا في سوق النفط العالمي، ما يعني أن الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة الميدانية، بل حول القدرة على التأثير في تدفق الطاقة.
ولفت الدعجة إلى أن إيران لا تحتاج بالضرورة لإغلاق هرمز فعليا لتحقيق أثر اقتصادي واسع، إذ يكفي رفع مستوى المخاطر فيه لتتراجع حركة الملاحة وترتفع كلف التأمين والشحن وأسعار النفط، بما يشبه “إغلاقا فعليا غير معلن”.
وأضاف أن تزامن ذلك مع تهديد باب المندب والبحر الأحمر، يضع منظومة النقل البحري للطاقة أمام ضغوط من جهتين في الوقت نفسه. مبينا أن جوهر “الفوضى المتزامنة”، يكمن في أن إغلاق الممرات البحرية ليس شرطا لتعطيل التجارة، بل إن جعل البدائل أكثر كلفة وأقل أمنا، يكفي لتحويل الجغرافيا والممرات الحيوية إلى أدوات ضغط.
وبشأن الهجمات الحوثية، أكد أن استهداف منشآت الطاقة السعودية لا يمكن قراءته باعتباره حدثا عسكريا منفردا، خصوصا في ظل تزامنه مع الضغوط على حركة النفط عبر هرمز، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة التمييز بين الدعم الإيراني للحوثيين واتخاذ القرار العملياتي المباشر، موضحا بأن الجماعة تمتلك أيضا أجندتها وحساباتها اليمنية الخاصة.
وبحسب الدعجة، فإن جبهة الكيان، تضيف بعدا ثالثا للمشهد، في ظل استمرار العمليات في غزة وتدهور الوضع في الضفة والمواجهات في لبنان، ما يجعل الفصل بين الملفات أكثر صعوبة، ويتيح لكل طرف استخدام جبهة أخرى للضغط أو الرد أو تحسين موقعه التفاوضي.
وقال إن المنطقة دخلت بذلك مرحلة “تشابك الجبهات”، وهو مفهوم يتجاوز مجرد تعدد الحروب، لأن نتائج التصعيد في جبهة باتت تؤثر مباشرة في حسابات جبهات أخرى. وشرح أن ارتفاع أسعار النفط بفعل هرمز، يزيد حساسية منشآت الطاقة السعودية، واستهداف تلك المنشآت يرفع احتمالات الرد، فيما قد يؤدي اتساع الرد لتوسيع نطاق التوتر في البحر الأحمر، بما يرفع كلفة التجارة والطاقة ويولد بدوره ضغوطا اقتصادية وسياسية جديدة.
وحذر من أن هذه الدائرة، تجعل الوصول لحل سياسي أكثر صعوبة، لأن أي طرف يدخل إلى طاولة التفاوض سيجد نفسه أمام ملفات متعددة وخصوم وحسابات متشابكة، فيما أصبحت البنية التحتية المدنية، من النفط والموانئ والمطارات ومحطات الطاقة إلى الممرات البحرية، جزءا من الحسابات العسكرية.
وأشار إلى أن استهداف منشأة نفطية قد يتجاوز أثره حدود المواجهة العسكرية، ليمتد للأسواق العالمية والنقل والصناعة والغذاء والتضخم، ما يجعل حماية البنية التحتية الحيوية والملاحة جزءا من معادلة الأمن والسلام في آن واحد.
وأكد الدعجة أن استمرار التصعيد سيضعف فرص الحل إذا لم تفتح مسارات تفاوض متوازية، لأن انتظار انتهاء جميع الجبهات قبل بدء التفاوض، يعني عمليا انتظار المستحيل.
ورأى أن المطلوب ليس اتفاقا منفردا يعالج أزمة واحدة، بل “سلة تفاوض” تتعامل مع ترابط الملفات، وتشمل خفض التصعيد في هرمز، وضمان حرية الملاحة، وحماية منشآت الطاقة، وخفض الهجمات الحوثية، وتثبيت التهدئة في لبنان، ووقف التصعيد في غزة والضفة، وفتح مسار سياسي حقيقي للقضية الفلسطينية.
وقال إن المنطقة لا تتجه بالضرورة إلى حرب شاملة حتمية، لكنها أصبحت في مرحلة يمكن فيها لخطأ تكتيكي محدود، أن ينتج تداعيات استراتيجية واسعة، محذرا من أن “الفوضى المنظمة يمكن أن تتحول بسرعة إلى فوضى غير قابلة للسيطرة”.
وجدد الدعجة تأكيده على أن التزامن بين هرمز واليمن والسعودية وغزة والضفة ولبنان، يعكس تحولا في طبيعة أمن المنطقة، بحيث لم يعد ممكنا التعامل مع كل جبهة بمعزل عن الأخرى، مشددا على أن حماية منشآت الطاقة والملاحة لا تنفصل عن صناعة السلام، وأن المطلوب الانتقال من منطق “الرد على الرد” إلى “التفاوض على قواعد الاشتباك” قبل أن تتحول الفوضى المتزامنة من ظاهرة مؤقتة إلى نظام إقليمي جديد.
الغد / ايمان الفارس




