مقالات اقتصادية

معضلة الضمان الاجتماعي.. من “تأجيل الأزمات” إلى “الحلول الابتكارية السيادية”

كتب نضال ملوالعين

مقال و رسالة الى دولة رئيس الوزراء جعفر حسان

على مدار سنوات، ظل ملف الضمان الاجتماعي في الأردن يدور في حلقة مفرغة من “تسكين الألم” بدلاً من العلاج الجذري. وفي كل مرة يطل علينا مقترح لتعديل القانون، نجد أنفسنا أمام “حلول محاسبية تقليدية” ترتكز أساساً على رفع سن التقاعد؛ وهي حلول تواجه دائماً بمقاومة مجتمعية ورفض قاطع، ليس فقط بسبب المساس بحقوق المشتركين، بل لأنها تغفل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية الأعمق للأزمة.
إن الاستمرار في نهج “التعديلات المتكررة” هو تأجيل للمشكلة لا حل لها. لذا، آن الأوان لننتقل من ذهنية جباية الاشتراكات المحلية إلى ذهنية “إدارة المخاطر العالمية والشراكات الاستراتيجية”.
لماذا نرفض رفع سن التقاعد؟
إن الإصرار على رفع سن التقاعد يمثل ضغطاً مزدوجاً على الدولة والمجتمع، ويمكن تلخيص مخاطره في نقاط جوهرية:
* تفاقم البطالة: بقاء الأفراد في وظائفهم لأعمار متقدمة يحرم جيل الشباب والخريجين الجدد من فرص التوظيف، مما يعطل عجلة الإحلال والتدفق الوظيفي.
* العبء المالي المرتفع: إن تكلفة رواتب من هم فوق الستين (بحكم الأقدمية والدرجات الوظيفية) مرتفعة جداً؛ حيث يمكن لتكلفة راتب متقاعد واحد أن تفتح المجال لتوظيف ثلاثة شباب طموحين، مما يحرك عجلة الإنتاج والاستهلاك بفاعلية أكبر.
* العدالة الاجتماعية: إن الاقتداء بـ “النموذج العسكري” في تحديد مدة الخدمة وسنوات التقاعد هو الأجدى؛ فمن أتم خدمته وقدم عطاءه للوطن يستحق التقاعد الكريم، ليفسح المجال لدماء جديدة تقود المرحلة.
الحل الابتكاري: الشراكة مع “عمالقة التأمين” في العالم
إن المخرج الحقيقي من أزمة الاستدامة المالية للضمان يكمن في بناء شراكات استراتيجية بين الحكومة الأردنية وشركات تأمين عالمية (مثل “مييت لايف” الأمريكية وغيرها)، على أن تكون هذه الاتفاقيات مدعومة بتفاهمات بين الخزينة الأردنية وحكومات تلك الدول. هذا التوجه يحقق مكاسب استراتيجية للدولة:
* تعزيز السيادة والموقف السياسي: عندما ترتبط صناديق التقاعد الأردنية بمنظومات مالية عالمية عملاقة، تصبح استدامة الاستقرار الاقتصادي في الأردن “مصلحة دولية” مباشرة لقوى اقتصادية كبرى، مما يعزز موقف الأردن في مواضيع الاستثمارات المتبادلة ويفرض المصالح الأردنية لدى الحكومات الغربية.
* تصفير المخاطر الاكتوارية: شركات التأمين العالمية تمتلك ملاءة مالية وخبرات في استثمار الصناديق تتجاوز الحدود المحلية، مما يضمن تدفق الرواتب التقاعدية وتوفير فوائض مالية دون الحاجة لتعديلات قانونية مستمرة ترهق المواطن والشارع.
* تنويع المزايا للمؤمن عليه: هذا التعاون يتيح تقديم خدمات إضافية للمواطن، كالتأمين على الحياة وتأمينات صحية عالمية، مما يحقق وفرة مالية للمؤسسة وإيرادات إضافية للمشترك، ويضمن له حياة كريمة بامتيازات تفوق النظام التقليدي الحالي.

إننا اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تموضع مؤسسة الضمان الاجتماعي كلاعب اقتصادي دولي وليس مجرد صندوق محلي للادخار. إن الحل ليس في إجبار الموظف على العمل لسنوات أطول، بل في ابتكار أوعية ادخارية واستثمارية عابرة للحدود تضمن كرامة المتقاعد وتفتح الأبواب للشباب.
نحن لا نحتاج لتعديل “أرقام” في قانون قديم، بل نحتاج لتعديل “الرؤية” كاملة لضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة وتعزيز مكانة الأردن كمركز استثماري عالمي يحمي حقوق مواطنيه بأدوات العصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى