الرئيسيةمقالات اقتصادية

صورة تأخّرت 50 عامًا

م. عامر لابشير

صورة رمّمت ما عجز الزمن عن ترميمه

ليست كلّ الصور مجرّد ورقٍ أو ذاكرةٍ بصرية، فبعض الصور تأتي متأخرة نصف قرن، لكنها تصل في اللحظة التي تكون فيها الروح بأشدّ الحاجة إليها، ولهذا، لم تكن هذه اللقطة التي صنعها الذكاء الاصطناعي بالنسبة لي مجرّد تجربة تقنية عابرة، بل كانت شيئًا أقرب إلى ترميمٍ داخليّ طويل… ترميم لذاكرةٍ عاشت دائمًا وهي تشعر أنّ هناك مقعدًا فارغًا في كلّ صورة عائلية، وظلًّا ناقصًا في كلّ مناسبة، وغيابًا لا تستطيع الكلمات وحدها أن تفسّره.

ساعة توقّفت
خمسون عامًا مرّت على رحيل الوالد، نصف قرنٍ كاملٍ من الحكايات التي كبرت بدونه، مناسبات، اعياد، وتخرّج، ونجاحات، وانكسارات، وبيوت تغيّرت، ووجوه شاخت، وأطفال صاروا رجالًا… بينما بقي هو ثابتًا في العمر، لا يكبر، ولا يشيخ، ولا يتقدّم خطوةً واحدة مع الزمن، وكأنّ الموت أوقف ساعته وحده، وتركنا نحن نلهث ونواصل الركض داخل الحياة.

الأمّ والسفينة
لقد واجهت العائلة كثيرًا من المحطات الصعبة بعد غيابه، وبقيت الوالدة — بوعيها، وصبرها، وحسن تدبيرها — تقف في وجه الحياة بحزمٍ يفوق القدرات البشرية أحيانًا، تحاول أن تسدّ الفراغ الكبير الذي يتركه غياب الربّان، فبعض النساء لا يُجبرن فقط كسور الأيام، بل يجنبن سفينةً كاملة من الغرق، حتى وإن كانت الأمواج أعتى من أعمارهنّ وأحلامهنّ وتعبهنّ.

النقص الصامت
ومع ذلك، يبقى هناك شيء لا يستطيع أحد تعويضه بالكامل، شيء يظهر بصمتٍ داخل الصور القديمة، في المناسبات الكبيرة التي كانت تبدو مكتملة للاخرين… لكنها ناقصة في أعيننا، فكلّ صورة عائلية كانت تحمل سؤالًا خفيًا لا يقوله أحد: “كيف كان سيبدو المشهد لو كان حاضرًا معنا؟”

لقطة مستحيلة
ولهذا، حين جمعني الذكاء الاصطناعي بصورةٍ واحدة مع الوالد، شعرت أنّ التقنية — لأول مرة — لم تكن مجرّد خوارزميات وبرامج، بل محاولة إنسانية لمداواة فجوةٍ قديمة غائرة داخل النفس، وكأنّ الصورة لم تُصنع بالكاميرا، بل صُنعت من الحنين نفسه.
حين تأملتُ الصورة للمرة الأولى، لم أنظر إليها سريعًا كما نفعل عادةً مع الصور، بل بقيتُ أحدّق طويلًا في تفاصيل وجهه، وصولاً الى بؤبؤ العين، كأنني أحاول أن أستعيد خمسين عامًا دفعةً واحدة، توقّفت عند ابتسامته الهادئة، وعند الطريقة التي كان يقف بها بثقةٍ بسيطة تشبه الاشخاص الذين لا يحتاجون إلى الكلام كثيرًا كي يشعر من حولهم بالأمان.
والأغرب أنّني كنت أبحث في ملامحه عن شيءٍ يشبهني، ثم اكتشفت — بارتباكٍ موجع — أنّني أنا من أحمل شيئًا يشبهه، عندها فقط شعرت أنّ الغياب لم يكن كاملًا كما كنت أظن، وأن بعض الآباء لا يرحلون تمامًا، بل يختبئون بصمتٍ داخل وجدان أبنائهم، وطريقة تعاملهم مع الحياة، وحتى في ملامحهم التي يكتشفونها متأخرين.

أصغر منّي
الغريب والمؤلم والجميل في آنٍ واحد، أنّ الوالد بدا في الصورة أصغر منّي عمرًا، وأكثر أناقةً ووسامةً، رغم الفارق الزمني الهائل بيننا، وكأنّ الحياة قرّرت أن تتركه هناك، في ذروة حضوره وتألقه، بينما مضينا نحن نحو التعب، والتجارب، وخسارات العمر الثقيلة.
وهنا فقط يفهم الإنسان قسوة الزمن فالراحلون يبقون دائمًا بصورتهم الأخيرة، بينما نحن نتغيّر كلّ يوم دون أن نشعر.

إثبات الغياب
لكنّ الأثر الحقيقي لهذه الصورة لم يكن في شكلها، بل في معناها العميق، لقد أغلقت نقصًا قديمًا ظلّ مفتوحًا داخل النّفس لسنوات طويلة، ذلك الفراغ الصامت الذي كان يقول لي دائمًا: “ليس لديك صورة واحدة معه.”
وكأنّ الذاكرة كانت ناقصة الإثبات، وكأنّ الحنين كان يبحث عن دليلٍ ماديّ يؤكّد أنّ هذا الأب لم يكن مجرّد حكاية تُروى، بل إنسانًا حقيقيًا كان يجب أن أقف إلى جواره ولو مرة واحدة.

أشياء صغيرة
قد تبدو الصورة للآخرين شيئًا بسيطًا، لكنّ من عاش الفقد مبكرًا يعرف تمامًا أنّ الإنسان أحيانًا لا يبحث عن المعجزات الكبيرة، بل عن أشياء صغيرة جدًا… صورة، صوت، نظرة، قصاصة ورق بخطّة، أو حتى وهم لحظةٍ مكتملة لم يعشها يومًا.

طمأنينة مؤجّلة
ولهذا، فإنّ بعض ما يفعله الذكاء الاصطناعي اليوم لا يرتبط بالتقنية فقط، بل بعلاقته العميقة بالذاكرة الإنسانية، فهو لا يعيد الموتى إلى الحياة، لكنه أحيانًا يعيد للأحياء شيئًا من الطمأنينة التي فقدوها طويلًا.

عاد أخيرًا
وربما لهذا السبب شعرت، وأنا أنظر إلى تلك الصورة، أنّني لا أراها لقطةً صنعت بالحاسوب… بل أرى جزءًا مفقودًا من عمري عاد أخيرًا إلى مكانه الطبيعي.
الصورة لم تُعيد الغائب إلى الحياة… لكنها أعادتني أنا إلى جزءٍ كنت أعيش بدونه منذ خمسين عامًا، لم يعد أبي للحياة… لكنّ طفلًا داخلي ظلّ ينتظره منذ خمسين عامًا، هدأ أخيرًا، ولا يحضرني الان سوى ان اقول شكراً للذكاء الصناعي، لانّ الغياب بدا أقلّ قسوة هذه المرّة فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى