الدباس يكتب “للرقم نيوز” السياحة تحت الضغط السياسي..

بقلم هاني الدباس
لم تعد السياحة نشاطًا اقتصاديًا محايدًا تحكمه معادلات العرض والطلب فحسب، بل غدت قطاعًا عالي الحساسية للتقلبات السياسية والتوترات الجيوسياسية. إذ تتحول الجغرافيا من إطار سيادي إلى عامل ضغط يعيد رسم حركة السفر، ويعيد تصنيف الوجهات، ويُربك قرارات السائح؛ فالسياحة بطبيعتها قائمة على الإحساس بالأمان، والاستقرار الذهني، وسهولة الحركة، وهي عناصر تتآكل سريعًا عند أول إشارة اضطراب سياسي حتى وإن لم تكن مباشرة أو محلية؛ ويكفي أن تُدرج دولة ما ضمن نطاق إقليمي متوتر حتى تُعامل سياحيًا باعتبارها مخاطرة محتملة، لا وفق واقعها الفعلي، بل وفق صورتها الذهنية في الإعلام الدولي، وهنا تنتقل السياحة من صناعة خدمات إلى رهينة للسرديات السياسية العابرة للحدود.
ولا يقتصر أثر الضغط السياسي على تراجع أعداد الزوار، بل يتغلغل في عمق المنظومة السياحية؛ فيرفع كلفة التأمين، ويُضعف ثقة منظمي الرحلات، ويؤدي إلى تشدد شركات الطيران في جدولة الرحلات، ويدفع الفنادق إلى سياسات تسعير دفاعية تُضعف العائد طويل الأمد؛ كما يعيد تشكيل أنماط الطلب نحو الحجوزات القصيرة، والقرارات المتأخرة، والتركيز على أسواق محدودة، وهو ما يجعل القطاع يعمل في حالة عدم يقين مستمرة؛ حيث يصبح التخطيط الموسمي هشًا، وتتحول الاستراتيجيات من النمو إلى الصمود، ومن التوسع إلى إدارة المخاطر.
وفي هذا المشهد المعقّد، يبرز النموذج الأردني مؤخرًا بوصفه حالة لافتة تستحق الإشادة؛ إذ نشهد تشكّل علاقة صحية ومتوازنة بين وزارة السياحة والآثار والقطاع الخاص، تقوم على الحوار، وتبادل البيانات، وفهم الواقع التشغيلي بعيدًا عن القرارات الانفعالية؛ علاقة تعكس نضجًا مؤسسيًا في التعاطي مع الأزمة، وتُدرك أن حماية القطاع لا تكون بالشعارات، بل بالمرونة، والتكامل، وتوحيد الخطاب، ودعم استمرارية الأعمال دون المساس بجودة التجربة السياحية أو الصورة الوطنية.
هذا التقارب يعيد تعريف دور الدولة من جهة رقابية إلى شريك استراتيجي، ويمنح القطاع الخاص مساحة واقعية للمناورة والتكيّف، ويعزز القدرة على امتصاص الصدمات السياسية دون تحويلها إلى انهيارات تشغيلية؛ وهو ما يؤكد أن السياحة لا تنهار بسبب السياسة وحدها، بل بسبب غياب الجاهزية وضعف الشراكة؛ وأن الوجهات التي تستثمر في الثقة المؤسسية، وتبني قنوات تنسيق فعّالة، قادرة على تقليل أثر الضغط السياسي، وتسريع التعافي، والحفاظ على تنافسيتها في عالم لم يعد يفصل بين السياسة والسفر.




