الإنترنت في إيران: من يعود أولا؟

الرقم نيوز-
لم يعد السؤال في إيران متى يعود الإنترنت. بل لمن يعود أولا. فبينما ما يزال الاتصال الدولي مقيدا على نطاق واسع. بدأت السلطات فتحه تدريجيا لفئات محددة. وكان أحدثها أساتذة الجامعات.
ومن هذه الزاوية. قد تبدو الخطوة الأخيرة حلقة في مسار أوسع ينقل الإنترنت من كونه خدمة عامة إلى وصول انتقائي يمر عبر القوائم والاستثناءات.
أحدث تجليات هذا المسار جاءت من وزارة العلوم. فقد نقلت صحيفة “شرق” عن معاون وزير العلوم للشؤون البحثية. مهدي أبطحي. أن الوصول إلى الإنترنت الدولي بدأ بالفعل لأساتذة الجامعات استنادا إلى قائمة أعدتها الوزارة. على أن يتوسع لاحقا ليشمل بقية أعضاء الهيئات التدريسية ثم الباحثين والمراكز البحثية ومراكز التفكير.
وربطت الصحيفة ذلك بمرور 8 أسابيع على الانقطاع الواسع وتجاوز مدة العتمة الرقمية 1200 ساعة.
وزير الاتصالات ستار هاشمي قال إن “الإنترنت الطبقي” أو “القائمة البيضاء” لا موضوع لهما. وإن الوصول الجيد إلى الشبكة العالمية حق لجميع الناس.
كما نقلت وسائل إيرانية في اليوم موقفا مماثلا عن النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف. شدد فيه على أن الوصول العادل والعام إلى الإنترنت حق لكل المواطنين وأن أي تمييز في الوصول لا ينسجم مع العدالة الرقمية.
لكن بقاء آلية القوائم. وبدء التوسيع من خلالها. يكشف عمليا عن شيء آخر وهو نفي سياسي للتصنيف. يقابله تنفيذ إداري يقوم على التصنيف نفسه.
والجامعات هنا ليست بداية الفكرة. بل أحدث بوابة رسمية لها. فمصطلح “الإنترنت الأبيض” كان متداولا في الإعلام الإيراني قبل ذلك.
وقد نقل “عصر إيران” في ديسمبر الماضي عن رئيس مكتب الرئيس محسن حاجي ميرزائي أن الإنترنت غير المحجوب أو “الخطوط البيضاء” سيجري إلغاؤه “حتى لأعضاء الحكومة”. وهو ما يكشف أن هذا النوع من الوصول المختلف كان معروفا وقائما في الخطاب الرسمي قبل قرار توسيع الوصول إلى أساتذة الجامعات.
ومع الوقت. خرج هذا الوصول التفضيلي من دائرة الامتياز غير المعلن إلى الصيغة التجارية والإدارية. فبحسب “شرق”. فإن “الإنترنت برو” نوع من الوصول الخاص يركز على استقرار الاتصال ووصول أقل تقييدا إلى بعض الخدمات الدولية. وليس متاحا لجميع المستخدمين. بل موجها أساسا إلى أنشطة مهنية واقتصادية محددة.
وتوضح الصحيفة أن هذا النمط مدعوم من المشغلين الرئيسيين. بينما تشارك جهات مهنية ورسمية في تأكيد هوية المستخدمين وتحديد “المجتمع المستهدف”. كما أن مسار الاتصال فيه يختلف عن الإنترنت العام وتمنح فيه الأولوية لحركة البيانات عند الاضطراب.
وهنا لا يقف الجدل عند حدود التقنية أو الفئات المستفيدة. بل يتصل أيضا بطبيعة هذا المسار نفسه. فقد نقل موقع “عصر إيران” عن الحقوقي كامبيز نوروزي أن “الإنترنت برو” يحمل تناقضا حتى بالنسبة لأصحاب الأعمال. لأنهم يحتاجون إلى جمهور متصل كي يبيعوا ويقدموا خدماتهم. بينما يؤدي حرمان الناس من الوصول إلى جعل إنترنت الأعمال نفسه قليل الجدوى.
ومن هنا. لم يعد الجدل محصورا في سؤال من يملك الاتصال. بل امتد إلى سؤال من يملك القرار نفسه. ففي الإعلام التقني الإيراني ظهرت قراءات تصف الملف بأنه ” خيط متشابك”. معتبرين أنه حالة من التخبط الإداري. إذ يعلن أكثر من طرف داخل السلطة التنفيذية رفض الإنترنت الطبقي. بينما يبقى الواقع العملي قائما على القوائم والاستثناءات.
وهذا لا يثبت وحده من الجهة الحاسمة في القرار. لكنه يعكس بوضوح اتساع التناقض بين الخطاب الرسمي والمسار التنفيذي.
ولم يتوقف منطق التوسيع عند الأساتذة أو الشركات. فقد نشرت وكالة “إرنا” أن وزارة الاتصالات تعمل على تنظيم أوضاع العاملين المستقلين. أو “الفريلانسر”. عبر منظمة “نصر”. من أجل إعادة الوصول إلى الإنترنت الدولي لهم في أسرع وقت.
بهذا. يبدو أن النقاش لم يعد يدور حول إعادة الشبكة إلى المجتمع كله. بل حول توسيع دائرة الاستثناءات لتشمل فئات مهنية إضافية كلما دعت الحاجة.
ولا تبدو الكلفة الاقتصادية لهذا النمط من الإدارة هامشية. فقد نقل “عصر إيران” عن عباس آشتياني. رئيس لجنة متخصصة في الاقتصاد الرقمي داخل منظمة النظام النقابي للحاسوب في إيران. أن 50 يوما من قطع الإنترنت كلفت الاقتصاد الرقمي الإيراني نحو مليار دولار. بمتوسط خسائر يومية تراوح بين 30 و35 مليون دولار بين خسائر مباشرة وغير مباشرة وفوات منافع.
كما قال إن فتح عدد محدود من المنصات أو الخدمات قد يكون إيجابيا. لكنه لا يكفي لتعويض الضرر. وإن العودة إلى ما قبل الانقطاع تحتاج إلى وقت طويل واستثمار في جودة البنية التحتية.




