الإبداع في زمن الأزمات.. بدائل اقتصادية تلبي الحاجة

الرقم نيوز – رصد – ما إن بدأت الأحداث الإقليمية تلقي بظلالها على المجتمعات العربية، تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي مع الحدث بكل تفاصيله، ما بين بث الأخبار ومستجدات بين لحظة وأخرى، والتحذير والتطمين، ومشاعر متضاربة تُظهر اختلافا في مواقف الناس بما يحدث حولهم.
بيد أن هناك من كان واقعيا وعمليا في نظرته للأمور، وبدأ بتقديم خدمات تعليمية للناس في كيفية مواجهة أي أزمة قد تمر بالمنطقة، وذلك من خلال تقديم مقترحات يتم من خلالها إعادة استخدام المواد المتوفرة في البيت لإنقاذ موقف قد تمر به الأسرة، كما في توفير كهرباء، أو إضاءة، وحتى تهيئة مواد غذائية بطرق بسيطة.
ومن ضمن تلك الطرق التي تقدمها بعض حسابات الحرف الإبداعية اليدوية، يكون الاعتماد فيها على الماء والزيت وبعض الخيوط، والتي يتم من خلالها عمل “إضاءة” تحاكي عمل الشموع المتعارف عليها، بل إن هذه الطريقة تساعد في توفير إضاءة لساعات أطول، بالإضافة إلى طريقة عمل الشمع من خلال قشور البرتقال الفارغة، وطريقة أخرى تعمل على نفس المبدأ.
أيضا هناك من قام بعمل نموذج عملي لتوفير شحنات كهرباء، من خلال وضع كمية مناسبة من الملح، وبعض لفائف من ورق القصدير، وماء ومغناطيس، بحيث يظهر أن ذلك أدى إلى توليد شحنات كهربائية ساهمت في إمداد أحد المصابيح العادية بالكهرباء وإضاءتها دون الحاجة إلى أسلاك.
التفكير خارج السياق التقليدي
يرى خبير الاقتصاد الاجتماعي حسام عايش أن الضغوط والمتغيرات التي يمر بها الأفراد والمجتمعات، إلى جانب الحاجة التي تعد “أم الاختراع”، تدفع الناس إلى التفكير خارج السياق التقليدي، والبحث عن وسائل وطرق وأدوات وتقنيات تساعدهم على التكيف مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والصحية. كما تفتح هذه الظروف المجال أمام استكشاف قدرات كامنة لدى الأفراد ومعارف غير مستغلة، وخبرات لم تكن تجد بيئة مناسبة لتوظيفها، خاصة مع توفر وسائل المعرفة السريعة عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وفق عايش، وأن هذه التحولات تسهم في ظهور أشكال من الابتكار أو إعادة توظيف الإمكانات المتاحة، بما يلبي احتياجات قد تبدو بسيطة في الظروف العادية. ولكن تلك الابتكارات تصبح بعد ذلك أساسية في أوقات ما يسمى بـ”عدم اليقين” أو الأزمات، ويبرز في هذا السياق استخدام أدوات ووسائل متنوعة بشكل مبتكر، مثل ترشيد استهلاك الطاقة أو إيجاد حلول منزلية بديلة، وهي ممارسات تمثل شكلا من أشكال الصمود الإيجابي في مواجهة الأزمات.
ولا تتوقف أهمية هذه الابتكارات عند حدود التكيف اللحظي، بل يمكن أن تتحول إلى مشاريع مستقبلية، سواء صغيرة أو متوسطة أو ريادية، حيث تتيح للأفراد اختبار قدراتهم واكتشاف إمكاناتهم وتوظيف موارد بسيطة لتحقيق إنجازات ذات قيمة.
كما تسهم في بناء رصيد اقتصادي ومعرفي للمجتمع، يعزز من قدرته على مواجهة التحديات.
تقول سائدة النابلسي إنها ستقوم بتجربة طريقة إشعال الضوء من خلال الصابون، وذلك بعد أن تقوم بعمل ثقب في قوالب الصابون الزيتية المعتادة، ووضع “أعواد قطنية لتنظيف الأذن” داخل الثقب، ومن ثم إشعالها، ليكون بذلك قد تحول إلى شمعة يمكن أن تضيء كذلك لساعات.
مقاطع لاختراعات صغيرة يتم تداولها
في حين قام موسى حزين بتجربة طريقة إشعال النار من خلال بعض المواد المتوفرة مثل الملح والليمون، ويقول إنه قام بمتابعة عدد من الحسابات التي تقدم حرفا يدوية بسيطة تعتمد في أغلبها على إعادة التدوير والخروج بمواد جديدة أو طرق يمكن الاستفادة منها في أي وقت.
وما بين هذا وذاك، وبين باحث عن حرف وطرق يدوية منزلية متواضعة، تعتقد منار الحايك أن هناك بعض الحرف التي باتت تخدع الناس من خلال تلك الحسابات، وتوهم المشاهد بقدرته على توفير بدائل للطاقة بطرق جديدة، ولكن قد يكون هذا ما يسمى بـ”خدع المحتوى”، وبعيدا عن المعطيات العلمية والتقنية.
لذلك، تعتقد منار أن هناك تطبيقات تخدع الإنسان من خلال تجارب وهمية، ومن الأجدر أن يقوم الشخص بتجربة حرف ضمن معرفته بالمواد المتوفرة لديه، ويكون قادرا على تطبيقها دون حدوث أي تبعات أو مخاطر محتملة، ومن الأجدى أن يلجأ إلى حسابات معروفة وواقعية حتى تساعده في الاستفادة مما يتوفر لديه من مواد أولية.
طريقة عمل شمعة مضيئة من الماء والزيت والأعواد القطنية كانت ضمن أكثر المقاطع التي تم تداولها بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كانت الأكثر نجاحا وسهولة في تطبيقها، إذ يؤكد الجميع أن الحاجة للإضاءة قد تكون أولى المتطلبات في حال انقطاع الكهرباء، بعيدا عن أي ظرف طارئ.
إثبات القدرة على التكيف مع الظروف
بينما استفادت رائدة غنانيم من هذه المقاطع المتداولة في عمل شموع بيتية بأقل التكاليف، ذات روائح جميلة ومنعشة من بعض المواد المتوفرة في بيتها بكثرة، وتقول: “ليس من الضرورة أن يقوم الشخص بإعادة التدوير للمواد في الظروف الطارئة فقط، بل يجب أن يعتاد ذلك في حياته اليومية بهدف التوفير والاقتصاد والابتكار في ذات الوقت”.
ويؤكد عايش هنا أن هذه الجهود تسهم في إحداث تحول في السلوك المجتمعي، من التهافت والتخزين إلى التفكير الإيجابي القائم على الاستدامة والابتكار، بما يخفف الأعباء عن الأفراد والاقتصاد، ويعزز من قدرة المجتمع على التكيف مع الظروف الصعبة.
ويضيف أن قيمة هذه الأفكار لا تكمن في تعقيدها، بل في طريقة التفكير بها وتوقيت ظهورها وقدرتها على تحقيق أثر ملموس، إذ قد تتحول فكرة بسيطة إلى مشروع مؤثر يدفع الآخرين إلى تبني أساليب جديدة في التفكير والعمل، خاصة في ظل الضغوط التي تعيد تشكيل أولويات الأفراد وأنماط تفكيرهم.
وفي ذات السياق، يرى المختص في علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع أننا نعيش اليوم ظروفا مختلفة تماما، في ظل حرب لا تقتصر على بعدها العسكري أو السياسي، بل تمتد لتشمل أبعادا إعلامية ونفسية عميقة، تؤثر بشكل مباشر على وعي الأفراد وسلوكهم اليومي، وهذا أسهم في إعادة تشكيل نظرة الناس للأحداث من حولهم، وطبيعة تفاعلهم معها.
أنماط ثقافية وسلوكية مختلفة
ووفق جريبع، فإن هذا السياق العام أفرز ثقافة جديدة لدى المجتمع الأردني، خاصة أن غالبية الأفراد لم يسبق لهم أن عاشوا ظروفا مشابهة، إذ كانت الحروب في السابق بعيدة نسبيا عن محيطهم المباشر، أما اليوم، ومع الشعور بالقرب من الأحداث، فقد ظهرت أنماط ثقافية وسلوكية مختلفة، ومن أبرزها تغير السلوك الاستهلاكي لدى الأفراد.
كما يلفت جريبع إلى أن كثرة التحليلات السياسية والعسكرية، إلى جانب الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أسهمت في تقديم صور متباينة ومربكة للواقع، ومع قلة مصادر موثوقة للمعلومات، برز عدد كبير من المؤثرين والمحللين، ما أدى إلى انتشار الإشاعات وتعزيز حضورها كمصدر رئيس لتشكيل وعي الناس وتصوراتهم.
وهذه الحالة أسهمت في ترسيخ ثقافة الخوف، سواء من احتمال نقص السلع أو من ارتفاع أسعارها مستقبلا، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على السلوك الاستهلاكي، ما دفع إلى بروز أنماط تفكير جديدة قائمة على الإبداع في التعامل مع الأزمات، كما يبين جريبع، والتي تفرز الأزمات نتائج إيجابية تتمثل في نشوء ثقافة مجتمعية جديدة تعتمد على الابتكار والتفكير خارج الأطر التقليدية، والسعي لتأمين الاحتياجات بطرق أكثر مرونة وكفاءة.
كما يشير عايش أيضا إلى أن التحول الأهم يتمثل في انتقال الأفراد من حالة انتظار الأحداث إلى التأثير في كيفية التعامل معها، وهو ما ينعكس إيجابا على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعرفية، ويعزز من روح الابتكار في المجتمع.
إعادة توظيف الأدوات والموارد
ويستند عايش إلى تجارب عالمية أظهرت أن العديد من المشاريع الناجحة، خاصة في مجالات التكنولوجيا ووسائل التواصل، بدأت في فترات الأزمات، حيث تحولت أفكار بسيطة إلى إنجازات كبيرة، ما يؤكد أن التحديات يمكن أن تكون نقطة انطلاق لفرص جديدة.
وهذه التجارب تمثل خبرات تراكمية تعزز من وعي المجتمع على المدى البعيد، كما يرى عايش، حيث أسهمت الأحداث الراهنة في تشكيل نمط جديد من الإدراك لدى الأفراد، ورغم أن هذا الوعي قد يتأثر احيانا بالإشاعات والمعلومات غير الدقيقة.
هذه الأزمات، على الرغم من قسوتها، يؤكد جريبيع أنها تفتح المجال أمام تطوير أساليب جديدة وأكثر فاعلية للتكيف، وتسهم في بناء قدرات مجتمعية قادرة على مواجهة التحديات، وتحويلها إلى فرص للتعلم والنمو.
ويختتم عايش بالإشارة إلى أن مفهوم إعادة التدوير لا يقتصر على المواد، بل يمتد إلى طريقة التفكير نفسها، من خلال إعادة توظيف الأدوات والموارد بطرق مبتكرة، بما يعزز القدرة على التعامل مع التحديات بمرونة وإيجابية.
ويشدد على أهمية أن يتحول هذا النمط من التفكير إلى نهج دائم، لا يقتصر على أوقات الأزمات، بل يصبح جزءا من الثقافة المجتمعية الداعمة للإبداع والتطور.
الغد- تغريد السعايدة




