مقالات اقتصادية

أبوعيطه يكتب: اتفاقية التجارة مع أوروبا.. المعيقات والحلول

الدكتور جورج طناس ابوعيطه

حظي القطاع الصناعي الأردني خلال السنوات الماضية باهتمام خاص من جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي أكد في العديد من اللقاءات والاجتماعات مع كبار الصناعيين وممثلي القطاع الخاص على أهمية الصناعة الوطنية باعتبارها أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل وزيادة الصادرات. كما شدد جلالته مراراً على ضرورة تعزيز تنافسية المنتج الأردني والانفتاح على الأسواق العالمية والاستفادة من الاتفاقيات التجارية التي أبرمها الأردن مع مختلف دول العالم، إيماناً منه بأن الصناعة الأردنية قادرة على لعب دور محوري في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.

وفي هذا السياق، يأتي التقرير الذي أصدرته غرفة صناعة الأردن بعنوان “آفاق العلاقات التجارية بين الأردن والاتحاد الأوروبي 2025” ليؤكد حجم الفرص المتاحة أمام الصناعة الأردنية في واحدة من أكبر الأسواق الاقتصادية في العالم، وليفتح الباب أمام نقاش مهم حول كيفية تحويل هذه الفرص إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

فقد أظهر التقرير مؤشرات إيجابية تدعو للتفاؤل، حيث سجلت الصادرات الأردنية إلى الاتحاد الأوروبي نمواً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، كما كشف عن وجود فرص تصديرية غير مستغلة تقترب من مليار دولار سنوياً في عدد من القطاعات الصناعية الأردنية. وهذه الأرقام تؤكد أن السوق الأوروبي ما زال يمثل فرصة استراتيجية مهمة أمام الصناعة الوطنية.

وتزداد أهمية هذه الفرص إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأردن يتمتع منذ سنوات باتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي توفر مزايا تفضيلية مهمة للمنتجات الأردنية، وتتيح دخول العديد منها إلى الأسواق الأوروبية بإعفاءات جمركية أو برسوم منخفضة جداً مقارنة بدول أخرى. وهذا يعني أن الأردن يمتلك بالفعل إحدى أهم الأدوات اللازمة لتعزيز صادراته إلى أوروبا.

ومع ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت الفرص موجودة، وإذا كانت الاتفاقية التجارية قائمة، وإذا كانت الإعفاءات الجمركية متاحة، فلماذا لا تزال الصادرات الأردنية إلى الاتحاد الأوروبي أقل بكثير من الإمكانات المتوفرة؟

من خلال عملي في القطاع الصناعي وتعاملي المستمر انا وغير من زملائي الصناعيين مع متطلبات التصدير للأسواق الإقليمية والدولية، أستطيع القول إن أحد أكبر التحديات التي تواجه الصناعي الأردني اليوم ليس تصنيع المنتج، بل فهم المتطلبات التنظيمية للأسواق المستهدفة. فكثير من المصانع الأردنية تمتلك منتجات ذات جودة عالية وأسعاراً منافسة، إلا أن الطريق إلى الأسواق العالمية لا يتوقف عند جودة المنتج فقط، بل يبدأ بفهم الأنظمة والتشريعات التي تحكم دخوله إلى تلك الأسواق.

وعند الحديث عن الاتحاد الأوروبي، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيداً. فالسوق الأوروبي يعد من أكثر الأسواق تنظيماً في العالم، حيث تفرض دوله مجموعة واسعة من المتطلبات المتعلقة بسلامة المنتجات، والاستدامة البيئية، وإدارة المواد الكيميائية، وتتبع مصادر المواد الخام، والتعبئة والتغليف، والبصمة الكربونية، إضافة إلى عدد كبير من المواصفات والشهادات الفنية التي تختلف باختلاف نوع المنتج.

ومن خلال التواصل مع العديد من الصناعيين الأردنيين، يتضح أن المشكلة لا تكمن دائماً في عدم القدرة على الالتزام بهذه المتطلبات، بل في عدم معرفتها أصلاً. فكثير من الشركات لا تعرف ما هي التشريعات التي تنطبق على منتجاتها، أو ما هي الشهادات المطلوبة، أو الجهات المعتمدة للحصول عليها، أو التعديلات الجديدة التي يقرها الاتحاد الأوروبي بشكل دوري. وهنا تضيع فرص تصديرية مهمة ليس بسبب ضعف المنتج الأردني، بل بسبب غياب المعرفة المتخصصة.

وفي الوقت نفسه، من المهم التأكيد على أن السوق الأوروبي ليس سوقاً مغلقاً أمام المنتجات الأردنية. فهناك العديد من الشركات الأردنية التي نجحت خلال السنوات الماضية في بناء حضور قوي داخل الأسواق الأوروبية، خصوصاً في قطاعات الأدوية والأسمدة والبوتاس والفوسفات والصناعات الكيماوية وبعض الصناعات الغذائية. وقد أثبتت هذه الشركات أن المنتج الأردني قادر على المنافسة عندما تتوفر المعرفة والخبرة والالتزام بالمعايير المطلوبة.

إن هذه النجاحات يجب أن تشكل مصدر إلهام لبقية القطاعات الصناعية، كما يجب الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى الشركات التي نجحت في التصدير إلى أوروبا وتحويلها إلى برامج تدريب وإرشاد ونقل معرفة لبقية الصناعيين. فليس من المنطقي أن تبدأ كل شركة رحلتها من الصفر، بينما توجد داخل الأردن خبرات عملية حقيقية يمكن البناء عليها.

ولعل التجربة السعودية تقدم مثالاً عملياً جديراً بالدراسة. فمنصة سابر التي أطلقتها المملكة العربية السعودية ساهمت في تنظيم متطلبات المطابقة والمواصفات وتوضيح الإجراءات الفنية الخاصة بدخول المنتجات إلى السوق السعودي. كما ساهم وجود جهات استشارية وخبرات متخصصة داخل الأردن في مساعدة العديد من المصانع الأردنية على فهم متطلبات المنصة واستكمال إجراءات المطابقة المطلوبة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على انسياب الصادرات الأردنية إلى المملكة العربية السعودية وتقليل العقبات الفنية التي كانت تواجه المصدرين في السابق.

لقد أثبتت هذه التجربة أن المشكلة ليست في وجود التشريعات بحد ذاتها، وإنما في كيفية إيصالها إلى القطاع الصناعي بصورة واضحة وعملية. فعندما تتوفر المعلومة الصحيحة والإرشاد المناسب، يصبح الالتزام بالمتطلبات أكثر سهولة، وتتحول التشريعات من عائق إلى أداة تساعد على دخول الأسواق وتعزز ثقة المستهلك بالمنتج.

ومن هنا أرى أن الوقت قد حان لإنشاء مركز وطني متخصص بالتشريعات الأوروبية ومتطلبات التصدير، يعمل بالشراكة بين غرفة صناعة الأردن والجهات الحكومية والقطاع الخاص والجهات الأوروبية ذات العلاقة. ويكون الهدف الرئيسي لهذا المركز متابعة التشريعات الأوروبية بشكل مستمر، وتحليلها، وتبسيطها، وتحويلها إلى أدلة وإرشادات عملية يمكن للمصانع الأردنية الاستفادة منها بسهولة.

كما يمكن لهذا المركز أن يوفر برامج تدريبية متخصصة، وقواعد بيانات محدثة، وخدمات استشارية للمصدرين، وأن يساعد الشركات الأردنية على معرفة المتطلبات الخاصة بكل منتج قبل البدء بعمليات التصدير. ويمكن أيضاً أن يشكل منصة لتبادل الخبرات بين الشركات الأردنية التي نجحت في دخول الأسواق الأوروبية وتلك التي تسعى للوصول إليها لأول مرة.

إن الاستثمار في المعرفة التشريعية لا يقل أهمية عن الاستثمار في خطوط الإنتاج أو التكنولوجيا الحديثة. بل إن المعرفة الصحيحة قد تكون في كثير من الأحيان أقل كلفة وأكثر تأثيراً من أي استثمار مادي آخر، لأنها تفتح أبواب الأسواق وتمنح المنتج الأردني القدرة على المنافسة والوصول إلى المستهلك العالمي.

فإذا كانت منصة سابر قد ساهمت في تسهيل دخول المنتجات الأردنية إلى السوق السعودي، فإن إنشاء مركز وطني للتشريعات الأوروبية قد يكون المفتاح الحقيقي لفتح أبواب سوق يضم أكثر من 450 مليون مستهلك اوروبي أمام الصناعة الأردنية.

إن الأردن لا يعاني من نقص في الفرص، بل يحتاج إلى مزيد من الأدوات والمعرفة والتمكين لتحويل هذه الفرص إلى واقع. وعندما ننجح في بناء الجسر المعرفي بين الصناعي الأردني والأسواق العالمية، سنكون قد وضعنا أساساً حقيقياً لنمو الصادرات وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية وخلق فرص عمل جديدة للأجيال القادمة.

وختاما ومن واقع خبرتي العملية، استطيع ان اقول أن المعرفة هي الاستثمار الأقل كلفة والأعلى عائداً. وإذا نجحنا في توفيرها للصناعي الأردني بالشكل الصحيح، فإن السوق الأوروبي لن يبقى مجرد فرصة واعدة أو حلم مؤجل، بل سيصبح واقعاً ملموساً ينعكس على الاقتصاد الوطني والصناعة الأردنية بأكملها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى